أخبار مهمةثقافة

جاكراندا: تراجيديا جيل يبحث عن سردية خلاص جديدة….

تونس -أونيفار نيوز -تضع مسرحية “جاكراندا” للمخرج نزار السعيدي نفسها في قلب المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية في دورتها السادسة والعشرين، لتلتقط وجهاً من وجوه جيل كامل وُلد في منطقة رمادية بين وعود لم تتحقق وواقع يضيق يوماً بعد يوم.

في قاعة الفن الرابع، يوم الجمعة 28 نوفمبر 2025، وحسب فاطمة المرساوي -إدراة الإنتاج-فان هذا   العرض يقترح  على الجمهور تجربة مسرحية مزدوجة: من جهة حكاية شخصيات أنهكها الانتظار والأحلام المؤجلة، ومن جهة أخرى مساءلة جذرية لذاكرة جماعية متعبة ووعي فردي يراوح مكانه، يبحث عن مخرج من ركام الماضي وألغام الحاضر.

و ببنت ان  النص الذي كتبه  عبد الحليم المسعودي ينطلق  من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: ماذا يحدث عندما يكتشف جيل كامل أنه لم يرث «الوطن» بقدر ما ورث المأزق؟ على خشبة يغلب عليها طابع الواقعية القاسية، ينسج نزار السعيدي سينوغرافيا محكمة تدور حول فضاء يبدو عادياً للوهلة الأولى: مركز خدمات اتصال (Call Center). غير أنّ هذا الفضاء العملي البارد يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مسرح داخلي لمشاعر الخيبة، وإلى مختبر تُختبر فيه قدرة الإنسان على اختراع سردية جديدة للحياة وسط ضجيج الشاشات والسمّاعات والأوامر المتكررة.

الشخصيات التي يجسدها حمودة بن حسين، أصالة كواص، أنيس كمّون، ثواب العيدودي، حلمي الخليفي، محمد عرفات القيزاني وحسناء غنّام، تبدو وكأنها عالقة بين زمنين: ماضٍ مثقل بشعارات كبرى وتجارب جماعية لم تكتمل، وحاضر يُطالبها بالانخراط في نمط عيش يختزل الإنسان في رقم ملف أو مكالمة عابرة. من خلال حوارات مشدودة وحركات دقيقة، يكشف الأداء عن هشاشة داخلية يغلّفها خطاب يومي عادي، فيصبح”call center”  صورة مكثّفة لمجتمع بأكمله يتكلم كثيراً ولا يقول ما يريد فعلاً، يسمع الجميع ولا ينصت إلى نفسه.يسند الموسيقى أسامة السعيدي، في مزج بين إيقاعات معاصرة ونبرات حالمة تكسر بين الفصول حدّة المشاهد وتعيد ترتيب الإحساس بالزمن، بينما يصوغ فيصل صالح بإضاءته مساحات الضوء والظل بما يحوّل المكان الواحد إلى طبقات متعدّدة من المعنى؛ مرّة يصبح فضاء عمل روتيني، ومرّة يتحوّل إلى زنزانة شفافة، ومرات أخرى إلى مسرح اعترافات جماعية. توظّف عناصر الصوت والصورة التي يعدّها هاني باللحمادي، والركح الذي يضبط تفاصيله منير بن يوسف، لتكثيف إحساس المتفرج بأنه داخل «نظام» مغلق، يمكن أن ينهار في أي لحظة إن تجرّأت إحدى الشخصيات على الخروج عن النص.في الخلفية، يعمل فريق الإنتاج: من مروى المنصوري في تصميم الملابس التي تترجم البنية الطبقية والوظيفية للشخصيات، إلى عدنان العبيدي وفاطمة المرصاوي في إدارة الإنتاج، بما يسمح للعرض بأن يصل إلى خشبة المسرح في صورة عمل جماعي متكامل، ثم إلى مها النصري التي تنقل النص إلى الإنجليزية، موسّعةً أفق تلقيه خارج الدائرة المحلية.

وحسب رايها كل هذا يضع “جاكراندا” ضمن تجارب المسرح التونسي المعاصر التي لا تكتفي برصد الأزمة، بل تحاول، عبر جملة فنية متماسكة، أن تفتح سؤالاً كبيراً: هل يمكن فعلاً أن نكف عن اجترار الماضي ونجرؤ على الحياة كفعل خلق جديد؟ في قاعة الفن الرابع، يبدو هذا السؤال مكتوباً في هواء الخشبة بقدر ما هو مطروح في وجدان المتفرج، الذي يخرج من العرض حاملاً يقيناً واحداً: أن الخلاص يبدأ من لحظة الاعتراف بأن المأزق مشترك، وأن السردية الجديدة لا تُمنح، بل تُصنع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى