الدكتور عدنان الإمام: العالم يعبر نحو «نهاية القطب الواحد» من بوابة الحروب…..

تونس -أونيفار نيوز- تكشف التطوّرات الدولية الأخيرة عن ملامح مرحلة جديدة من سباق التسلّح العالمي، تتقدّم فيه القوى الكبرى نحو إعادة تشكيل موازين القوّة تحت تأثير التحالفات المتحركة والتوترات الجيو-استراتيجية المتصاعدة.
حول هذه المعضلة اكد الدكتور عدنان الامام في مداخلة اعلامية له ان العالم يدخل اليوم «عصر المواجهة المفتوحة»، حيث لم تعد الردعيات التقليدية كافية لاحتواء الطموحات العسكرية المتنامية، لا سيما في أوروبا التي تجد نفسها بين مطرقة الخطر الروسي وسندان الاعتماد الدائم على الحليف الأمريكي.
يشير الخبير إلى أنّ أوروبا تدفع ثمن سنوات طويلة من التراخي الدفاعي والانشغال بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية، ما جعلها عاجزة فبعد حرب أوكرانيا، وجدت الدول الأوروبية نفسها أمام موجة تسلّح غير مسبوقة، حيث تجاوزت فاتورة التحديث العسكري ما قيمته 800 مليار يورو، وهو رقم يعكس حالة الهلع المتنامية داخل العواصم الأوروبية أمام احتمالات توسّع التوترات شرق القارة.
الولايات المتحدة تُمسك اليوم بأوراق القيادة العسكرية الغربية دون منازع، مستفيدة من هشاشة الاتحاد الأوروبي ومن الصعوبات السياسية التي يواجهها حلف شمال الأطلسي. وتُظهر الوقائع أنّ أوروبا لم تعد تملك، رغم إنفاقها الضخم، القدرة الذاتية على إدارة صراع طويل، سواء مع روسيا أو مع أي قوة كبرى أخرى، لأنّ سلاسل الإمداد، والصناعات الدفاعية، والقدرات اللوجستية ما تزال مرتبطة كليًا بالقرار الأمريكي.
في المقابل، تعمل روسيا والصين على تعزيز تحالفاتهما، وعلى تطوير أنظمة تسلّح متقدمة قادرة على تغيير قواعد اللعبة، من الطائرات فرط-الصوتية إلى منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الحديثة، ما يجعل الغرب في سباق زمني ضيق للحفاظ على ميزان القوى.
الدكتور الأمام اكد أنّ «نهاية القطب الواحد لا تتمّ إلا عبر حروب»، في إشارة إلى أنّ التحوّل الحاصل ليس تكتيكيًا بل بنيويًا، وأنّ العالم يتّجه نحو نظام متعدد الأقطاب تُحدّده القوة العسكرية قبل أي شيء آخر.
العواصم الغربية تعيش تناقضًا حادًا بين حاجات التسلّح من جهة، وضغط الرأي العام المنهك اقتصاديًا من جهة أخرى. ففي فرنسا وألمانيا وإيطاليا، يبرز النقاش حول جدوى الدخول في حرب طويلة ضد روسيا، ليس فقط لاعتبارات عسكرية، بل لأنّ المجتمعات الأوروبية نفسها لا تبدو مستعدة لتحمّل تبعات حرب شاملة قد تغيّر أنماط الحياة والاقتصاد لسنوات.
فخوض حرب فعلية ضد روسيا سيحتاج من فرنسا وحدها ثلاثة عقود من إعادة التهيئة الدفاعية، ما يبيّن حجم الهوّة بين الشعارات السياسية والواقع العسكري الميداني.
أنّ مشهد التسلّح العالمي لم يعد منفصلًا عن التحولات الاقتصادية، إذ تشهد الصناعات العسكرية توسعًا كبيرًا في الإنفاق والانتشار، بينما تتجه القوى الكبرى نحو اعتماد القوة الصلبة كأداة رئيسية في صياغة القرارات الدولية. ومع دخول العالم مرحلة «الردع المتبادل المعزّز»، تتحول التوازنات إلى لعبة شديدة التعقيد، يكون فيها الخط الفاصل بين الحرب والسلم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.



