هل بدا عصر ما بعد الأمم المتحدة في “دافوس”؟؟!!

.عندما تدار الأزمات بمنطق الصفقات…
تونس اونيفارنيوز على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، جرى توقيع الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام العالمي» في حدث سياسي غير مسبوق من حيث مضمونه وسياق
الإعلان لم يُقدَّم كمبادرة إنسانية لمعالجة أزمة بعينها، ولا كإطار تقني لإعادة الإعمار، بل كخطوة تأسيسية لكيان دولي جديد يطرح نفسه صراحةً بديلاً عمليًا لمنظومة الأمم المتحدة. اختيار دافوس، بوصفه منصة للنخب الاقتصادية وصنّاع القرار العالميين، لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية تعكس سعيًا لنقل مركز الثقل في إدارة الشأن الدولي من المؤسسات الأممية إلى فضاء جديد تحكمه الفعالية التنفيذية وسرعة القرار طبقا لتوصيف الدكتور “هيثم عمران”.
اكتسب الحدث ثقله الاستثنائي من طبيعة القيادة المعلنة ومن مضمون الميثاق الموقع. فإسناد رئاسة المجلس إلى دونالد ترامب بصيغة مفتوحة الأجل، خارج أي إطار رسمي للدولة الأمريكية، منح الإعلان بعدًا دوليًا يتجاوز حدود مبادرة عابرة، ويشير إلى محاولة واعية لإعادة تشكيل قواعد إدارة النزاعات الدولية بعيدًا عن المرجعية القانونية الأممية. بهذا المعنى، لم يكن توقيع الميثاق مجرد إعلان كيان جديد، بل لحظة كاشفة عن تصدّع متزايد في النظام الدولي القائم، وبداية اختبار عملي لنموذج سياسي موازٍ.
منذ السطور الأولى للميثاق، بدت القطيعة مع النظام الدولي التقليدي واضحة ومقصودة. إذ يهاجم النص بشكل مباشر «المقاربات والمؤسسات التي أثبتت عجزها عن فرض السلام»، ويدعو الدول إلى التحرر من قيودها، في إشارة لا لبس فيها إلى منظومة الأمم المتحدة. هذه اللغة لا تنتمي إلى خطاب إصلاحي يسعى إلى التغيير من الداخل، بل تؤسس لمسار سيادي موازٍ يرفض المرجعية الأممية ويقترح مركز قرار جديدًا خارج نيويورك.
التحول الأكثر إثارة للجدل لا يكمن في الخطاب وحده، بل في طبيعة القيادة نفسها. فالميثاق يمنح دونالد ترامب رئاسة مفتوحة الأجل تستمر حتى يقرر التنحي بإرادته، ما يمنحه موقعًا دوليًا دائمًا لا يستند إلى أي منصب رسمي داخل الدولة الأمريكية. بهذا الترتيب، لا يؤسس المجلس لزعامة جماعية أو لتوازن مؤسسي، بل يكرّس نموذجًا لشخصنة القرار الدولي، في سابقة لم يشهدها النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة.
أما على مستوى الصلاحيات، فيتجاوز المجلس النموذج الأممي التقليدي بصورة جذرية. فلا يضع الميثاق حدودًا جغرافية واضحة لنطاق التدخل، إذ تُعرَّف المهمة بأنها «تأمين سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالصراع»، وهي صيغة فضفاضة تفتح الباب لتوسيع التدخل من غزة إلى أي ساحة نزاع دولي وفق تقدير القيادة. كما يمنح الميثاق رئيس المجلس سلطة مطلقة في إنشاء الكيانات الفرعية أو تعديلها أو حلّها، إضافة إلى الحق الحصري في تفسير الميثاق نفسه، بما يدمج السلطتين التنفيذية والقانونية في يد واحدة.
في جانب التمويل، يعيد المجلس تعريف مفهوم الشرعية الدولية من جذوره. فبدلاً من منطق المساهمات الطوعية أو القرارات الصادرة عن هيئات جماعية، تقوم العضوية على مبدأ «الاستثمار في السلام»، مع اشتراط مساهمات مالية مرتفعة للمقاعد الدائمة. وبهذا الانتقال، تصبح القدرة المالية أحد محددات النفوذ السياسي، ويتحوّل السلام من قيمة قانونية مشتركة إلى مشروع شراكة استثماري
ارتباك دولي…
ردود الفعل الدولية عكست حجم الارتباك الذي أحدثه الإعلان. الاتحاد الأوروبي تعامل مع المجلس بوصفه تهديدًا مباشرًا للنظام القانوني الدولي، ورفض الانخراط فيه في هذه المرحلة. روسيا، في المقابل، أبدت اهتمامًا براغماتيًا، معتبرة المجلس قناة محتملة لإدارة تسويات كبرى خارج أطر الناتو والأمم المتحدة. الصين التزمت صمتًا حذرًا، وسط مخاوف من أن يتحول المجلس إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية بصيغة جديدة. في المقابل، سارعت قوى إقليمية في الشرق الأوسط وآسيا إلى الانضمام، مدفوعة بإحباط متراكم من بطئ المسارات الأممية ورغبة في الانتقال من الانتظار الدبلوماسي إلى الفعل التنفيذي السريع.
ما جرى في دافوس يتجاوز أزمة غزة أو توقيتًا سياسيًا محددًا. نحن أمام محاولة صريحة لنقل مركز الثقل في النظام الدولي من «الشرعية القانونية» إلى «الفعالية التنفيذية»، ومن التعددية البطيئة إلى القرار المركزي السريع. ولم يعد السؤال المطروح ما إذا كان «مجلس السلام العالمي» سينافس الأمم المتحدة، بل ما إذا كان العالم مهيأً لقبول نظام دولي تُدار فيه الأزمات بمنطق الصفقات والاستثمار، لا بمنطق الإجماع والقانون.



