الخميس الأسود :الدولة، النقابة، والانسداد السياسي….

تونس -اونيفار نيوز تمثّل أحداث 26 جانفي 1978 مجرّد صدام عابر بين سلطة سياسية ومنظمة نقابية، بل تشكّل لحظة فارقة كشفت أزمة بنيوية عميقة في الدولة التونسية بعد الاستقلال طبقا لتوصيف الكاتب والناشط السياسي “محمد علي العماري”.
فقد كان “الخميس الأسود” نتاج انسداد سياسي واجتماعي مزمن، بلغ ذروته عندما عجزت آليات الضبط التقليدية للنظام عن استيعاب الصراع، فلجأت السلطة إلى العنف المفرط باعتباره الخيار الأخير لإعادة فرض الهيمنة.
على مستوى الممارسة السلطوية، مثّلت هذه الأحداث انتقالًا حاسمًا من منطق الاحتواء إلى منطق القمع المكشوف. فالزجّ بالمؤسسة العسكرية في مواجهة المدنيين لم يكن إجراءً أمنيًا استثنائيًا بقدر ما كان دليلًا على اهتزاز الثقة داخل أجهزة الدولة نفسها، واستعداد السلطة لتجاوز الحدود الرمزية التي قامت عليها الدولة الوطنية الحديثة. كما أن إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوّل لم يكونا تعبيرًا عن قوة الدولة، بل عن عجزها البنيوي عن إدارة الصراع الاجتماعي عبر التفاوض والمؤسسات.
ويُعدّ أخطر ما أفرزته تلك اللحظة التاريخية بروز تشكيلات عنفية مرتبطة بالحزب الحاكم، مارست الاعتداء المنهجي على النقابيين والمتظاهرين. فقد عرّى هذا الواقع الطبيعة المزدوجة للنظام السياسي: خطاب قانوني حداثي في الواجهة، ومنظومة عنف غير رسمي في العمق. كما أن اعتراف بعض قيادات الحزب بوجود هذه التشكيلات يؤكد أن العنف لم يكن انحرافًا ظرفيًا، بل أداة معتمدة في إدارة السلطة، تُستدعى كلما اختلّ ميزان القوى. ويكفي في هذا السياق ما أقرّ به محمد الصياح، مدير الحزب الحاكم آنذاك، في حوار مع مجلة جون أفريك بتاريخ 26 جانفي 1978، حين تحدّث صراحة عن تجنيد عناصر حزبية لدعم أجهزة الأمن عند الضرورة.
في المقابل، لا يمكن إعفاء الاتحاد العام التونسي للشغل من النقد، مع التأكيد على اختلاف طبيعة مسؤوليته جذريًا عن مسؤولية السلطة. فمأخذ المنظمة النقابية لا يتصل بالعنف ولا بنتائجه الدموية، بل بإدارة الأزمة قبل انفجارها. فقد وضعت عضوية الأمين العام آنذاك، المرحوم الحبيب عاشور، في القيادة العليا للحزب الحاكم الاتحاد في قلب صراعات الأجنحة داخل النظام، ما أضعف استقلالية القرار النقابي وعرّضه للضغط والابتزاز السياسي. ورغم أن استقالته من هياكل الحزب مثّلت موقفًا مبدئيًا شجاعًا، فإن توقيتها أضعف موقع الاتحاد، وفتح المجال أمام جناح متشدّد لاستهداف عاشور والمنظمة معًا.
كما أن خيار الإضراب العام الشامل، في سياق سياسي مغلق ومأزوم، مثّل قرارًا بالغ الخطورة. فقد منح هذا الخيار السلطة الذريعة التي كانت تبحث عنها لتحويل مطالب اجتماعية مشروعة إلى مواجهة مفتوحة، استُخدمت فيها القوة لإعادة ترتيب موازين السيطرة. وقد كشف ذلك عن اختلال في التقدير الاستراتيجي داخل القيادة النقابية، بين الدفاع المشروع عن الحقوق والقدرة الواقعية على احتساب موازين القوى. وربما لو حافظ عاشور على موقعه داخل دوائر القرار الحزبي في تلك المرحلة، لكان بالإمكان كبح اندفاعة القمع أو الحدّ من كلفته، بدل أن تنزلق الأزمة إلى مأساة إنسانية وسياسية ارتدّت آثارها العميقة على المنظمة والمجتمع.
في جوهرها، تكشف أحداث 26 جانفي أن الصراع لم يكن محصورًا في ثنائية حكومة/نقابة، بل كان أيضًا تعبيرًا عن صراع داخلي حاد داخل النظام نفسه، مرتبط بمسألة خلافة بورقيبة وتنافس الأجنحة حول السلطة. وقد تحوّل هذا التناقض من مستوى سياسي إلى مواجهة شخصية بين الهادي نويرة والحبيب عاشور، ما عطّل إمكانات التسوية ودفع بالأطراف إلى منطق الكسر بدل التوافق.
وفي تقديره فانه رغم الكلفة الإنسانية والسياسية الباهظة، شكّل “الخميس الأسود” لحظة تصدّع تاريخية في بنية نظام الحزب الواحد، وكشف حدود الدولة السلطوية حين تواجه مجتمعًا يتجاوز قدرتها على الضبط، فاتحًا شرخًا طويل الأمد في علاقة الدولة بالمجتمع ظلّت تداعياته ماثلة في المسار السياسي التونسي لعقود لاحقة.



