مشروع قانون الجنسية يثير مخاوف جدية ….؟؟!!

المطالبة بسحبه لتفادي الغموض و الارتجال….
تونس اونيفارنيوز اثار مقترح تنقيح مجلة الجنسية جدلًا واسعًا بلغ حدّ دعوة عدد من النواب إلى سحب تواقيعهم والانسحاب من المشروع قصد إعادة النظر فيه برويّة ومسؤولية. ولم يكن هذا الجدل مجرّد انعكاس لمزايدات ظرفية، بل جاء نتيجة مخاوف مشروعة عبّر عنها طيف واسع من الرأي العام، إدراكًا لحساسية موضوع الجنسية باعتباره من صميم السيادة الوطنية وأحد الأسس الجوهرية للانتماء القانوني إلى الدولة.
وقد أظهرت ردود الفعل أن المقترح المعروض لم ينجح في طمأنة الرأي العام أو تبديد المخاوف المطروحة، بل زاد من حدّة التساؤلات بشأن مقاصده وآثاره المحتملة. فمهما قيل بشأن وجود نقائص في الصيغة الحالية لمجلة الجنسية، فإنها تظلّ، في نظر كثيرين، أكثر استقرارًا واتزانًا من تنقيح يفتقر إلى الوضوح، ويُخشى أن يفتح الباب أمام تأويلات متباينة أو تطبيقات غير محسوبة العواقب.
ويزداد هذا القلق بالنظر إلى بعض الفصول المقترحة في مشروع القانون، وعلى رأسها الفصل 24 الذي ينص على منح الجنسية لأصحاب المهن التي تحتاجها تونس، وهو مقتضى أثار بدوره الكثير من التحفّظات لما قد يطرحه من إشكاليات تتعلق بضبط المعايير والضمانات الكفيلة بمنع سوء التأويل أو التوسّع غير المحسوب في تطبيقه.
ومن جهة أخرى، ينصّ الفصل الثامن من المشروع ذاته على الترفيع في مدة الإقامة المطلوبة لاكتساب الجنسية من خمس سنوات إلى عشر سنوات بالنسبة للمولودين في تونس من أبوين عديمي الجنسية. وقد قُدِّم هذا الإجراء للرأي العام باعتباره وسيلة للحدّ من ظاهرة المهاجرين الأجانب الذين استقرّوا بالبلاد، غير أنّ هذا التبرير ينطوي على مغالطة قانونية واضحة.
فالإشكال القانوني المتعلّق بهذه الفئة لا يندرج في حقيقة الأمر ضمن نطاق الفصل الثامن، بل يقتضي معالجة تشريعية مختلفة تقوم على تحديد وضعية الأشخاص ذوي الجنسية غير المحدّدة أو غير المصرّح بها، وضبط الآليات القانونية الملائمة للتعامل مع هذه الحالات.
فالمهاجر الأجنبي الذي يتخلّص عمدًا من وثائق هويته أو يمتنع عن التصريح بجنسيته تفاديًا لإجراءات الترحيل لا يُعدّ عديم الجنسية من الناحية القانونية. إذ يظلّ، من حيث الأصل، حاملًا لجنسية الدولة التي ينتمي إليها وفق قانونها، حتى وإن لم يكن بحوزته ما يثبت ذلك أو اختار إخفاء هذه المعطيات.
وعليه، فإن الأشخاص الذين يُشار إليهم في النقاش العام بوصفهم “مستوطنين أجانب” لا يندرجون، في أغلب الحالات، ضمن فئة عديمي الجنسية، بل ضمن فئة الأشخاص ذوي الجنسية غير المحدّدة أو غير المصرّح بها. وهو فرق جوهري يقتضي مقاربة قانونية مختلفة، سواء من حيث توصيف الوضعية أو من حيث الآليات التشريعية الكفيلة بمعالجتها.
وانطلاقًا من هذا المعطى، اعتبرت بعض القراءات القانونية أنّه كان من الأجدر، في إطار ما رُوّج له من تشديد في شروط اكتساب الجنسية، أن يتضمّن المشروع فصلًا ينصّ صراحة على أنّ:
“المهاجر بصفة غير شرعية لا يُعدّ عديم الجنسية، ولا يترتب عن وجوده بالبلاد أي حق في الإقامة أو في اكتساب الجنسية، له أو لأبنائه.”
كما يمكن التنصيص بوضوح على أنّ:
“الجنسية لا تُمنح للأجنبي بمجرّد الاستقرار أو الزواج من تونسية أو الإقامة لسنوات طويلة، ولا يمتد أثر ذلك تلقائيًا إلى أبنائه، إلا وفق الشروط التي يضبطها القانون صراحة.”
إنّ إعادة النظر في هذا المشروع، على ضوء الجدل الذي أثاره، هو استجابة رشيدة لنبض الشارع وإقرار بخطورة المسألة. فالتشريع في قضايا السيادة لا يحتمل الغموض أو الارتجال، بل يقتضي دقّة في الصياغة، وتماسكًا في البناء، وتوافقًا واسعًا يضمن استقرار المنظومة القانونية ويحفظ المصلحة الوطنية العليا.
اسماء وهاجر



