رحيل عبد الرزاق الكافي… ذاكرة رجل جمعت بين الفكر والسياسة….

بقلم: عبد اللطيف الفراتي
تونس اونيفارنيوز برحيل عبد الرزاق الكافي، تفقد تونس شخصية استثنائية جمعت بين خفة الروح وعمق الفكر، وبين الالتزام الوطني والقدرة على الرؤية الواضحة. برحيله أيضاً، تغيب أسرار وتجارب لم تُدوَّن، وتُطوى صفحة من صفحات النخبة التي صنعت جزءاً من تاريخ البلاد الحديث.
لم أعرفه في بداياته والياً، ولا عندما كان رئيساً لديوان الوزير القوي أحمد بن صالح، لكن ما كان يصلني عنه أنه ينتمي إلى تلك الطبقة الوسطى العليا من أبناء العاصمة، التي جمعت بين الأناقة الاجتماعية والاعتداد بالأصول، دون أن تنفصل عن هموم الناس وأفكار العدالة والمساواة.
تعرفت إليه لاحقاً، في سياق مهني وإنساني، لتتطور العلاقة إلى صداقة قائمة على التقدير المتبادل. وقد قادتني مناسبة عائلية، إثر وفاة البشير الفراتي، إلى سؤاله عن صلته بالفقيد، فكان جوابه، بعد تثبّت، أن الراحل لم يترك عقباً، لتظلّ بعض الروابط الممكنة معلّقة في الذاكرة.
لكن اللقاء الحقيقي الأول الذي رسّخ صورته في ذهني كان خلال إحدى المحاكمات السياسية الشهيرة بقاعة الجلسات العاشرة بقصر العدالة، في قضية أبناء “الوحدة الشعبية”. هناك، وسط أجواء التوتر، لفت انتباهي ذلك الرجل الذي لم تفارقه الابتسامة، لا كقناع، بل كحالة إنسانية كاملة تُخفّف من قسوة اللحظة. كان مختلفاً، هادئاً، ومتماسكاً، في وقت كانت فيه المحاكمات السياسية، في نظري، أقرب إلى ساحات ظلم منها إلى فضاءات عدل.
بعد تبرئته، عاد إلى الحياة العامة، وهناك اكتشفت جانباً آخر من شخصيته. كنت أزوره في مكتبه بشارع الحبيب بورقيبة، فأجد نفسي أمام رجل موسوعي، ينتقل بسلاسة بين الفلسفة والأدب والدين والعلوم الدقيقة، بحكم تكوينه كمهندس. كان حديثه ممتعاً، عميقاً، ومشحوناً بسرعة بديهة لافتة، تجعل من مجالسته تجربة فكرية وإنسانية ثرية.
في إحدى المحطات، وبعد حادثة إيقاف أحمد المستيري إثر تحرك احتجاجي، دار بيننا نقاش يعكس بدقة طبيعة الرجل: مسؤول يدرك حدود دوره، ومثقف لا يتخلى عن استقلالية التفكير. وحين واجهته بحجة الدفاع عن المستيري كصحفي لا كسياسي، تخلى فوراً عن موقع المسؤول، وعاد إلى موقع المحاور المنفتح، معترفاً بوجاهة الطرح.
كان عبد الرزاق الكافي أيضاً حاضراً في كواليس القرار، دون ضجيج. أتذكر مكالمة هاتفية جمعته بوزير الداخلية آنذاك زين العابدين بن علي، بحثاً عن كفاءة إعلامية، فأجاب بسرعة ودقة، في مشهد يعكس ثقته في تقييم الرجال، وإن لم يخلُ أحياناً من بعض التقدير غير الدقيق.
بعد السابع من نوفمبر، كان من بين الكفاءات التي استعان بها النظام الجديد، في مرحلة اتسمت ببعض الانفتاح والنمو، قبل أن تنزلق تدريجياً نحو الاستبداد. ورغم تصنيفه كوزير تكنوقراط، فإن اهتمامه بالشأن السياسي كان عميقاً. فقد ناقش معي، في أكثر من مناسبة، أفكاراً تتعلق بإمكانية بناء توازن سياسي شبيه بتجارب أخرى، يقوم على تعددية داخل إطار منظم، وهو ما يعكس انشغاله المبكر بإصلاح الحياة السياسية.
اليوم، برحيل عبد الرزاق الكافي، لا نودّع فقط مسؤولاً سابقاً، بل نودّع عقلاً متقداً، وروحاً مرحة، وشخصية نادرة جمعت بين الكفاءة والتواضع، وبين الذكاء والإنسانية.
رحم الله عبد الرزاق الكافي، فقد كان من أولئك الذين يتركون أثراً لا يُمحى، حتى وإن غابوا بصمت.



