الرياحي: أزمة اللحوم الحمراء اصبحت تهدد الأمن الغذائي…

تونس -أونيفار نيوز –تجسد أزمة اللحوم الحمراء في تونس اليوم تحولاً خطيراً من مجرد وعكة ظرفية إلى اختلال هيكلي يهدد ركائز الأمن الغذائي، حيث يرى لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، أن الواقع الراهن يكشف عن مفارقة صادمة؛ فبينما تسجل الأسعار النهائية ارتفاعاً جنونياً، يغرق القطاع في ضبابية تامة نتيجة غياب رؤية واضحة لكلفة الإنتاج وانعدام قاعدة بيانات رقمية دقيقة ترصد حجم القطيع وتطوره، مما يجعل السياسات المتبعة مجرد ردود أفعال تفتقر للمتن الصلب.
ويكمن عمق الأزمة في “التآكل الممنهج” للقدرة الإنتاجية، إذ لم يعد انكماش القطيع الوطني نتاجاً لعوامل مناخية أو غلاء أعلاف فحسب، بل أصبح نتيجة لاختلال اقتصادي يدفع الفلاح دفعاً نحو “خيار الانتحار المهني” عبر التفريط في الإناث المنتجة لتأمين سيولة عاجلة، وهو سلوك يحول الارتفاع السعري من حافز للنمو إلى معول لهدم القاعدة الإنتاجية المستدامة.
هذا التدهور يغذيه غياب تحديد منهجي للتكاليف، حيث لم يعد انخفاض أسعار الأعلاف كافياً في ظل منظومة كلفة مثقلة بنقائص الحوكمة، وضعف التأطير الفني، وغلاء الخدمات البيطرية، مما يؤدي في النهاية إلى ضعف تثمين المنتج عند الفلاح مقابل تضخم غير مبرر في السعر النهائي للمستهلك.
ويبرز هنا دور “سلسلة التوزيع” التي تحولت إلى وسيلة لاستنزاف الجيوب عبر تعدد الوسطاء وهوامش الربح العشوائية، في ظل غياب رقابة ناجعة تؤطر الأسعار وتحمي الحلقة الأضعف في المنظومة.
إن هذا المشهد القاتم يتقاطع مباشرة مع انهيار القدرة الشرائية للتونسي، الذي وجد نفسه مضطراً لتعديل نمطه الاستهلاكي والتخلي عن البروتين الحيواني كعنصر أساسي، مما يؤشر على خلل اجتماعي عميق.
وفي المقابل، يظل التعامل الحكومي مع هذه المعضلة محكوماً بمنطق “الإطفائي” الذي يلجأ للتوريد والحلول الوقتية التي ترحّل الأزمة ولا تحلها.
وبناءًا عليه، فإن تجاوز هذا النفق المظلم يتطلب إرادة سياسية حقيقية تتبنى إصلاحاً جذرياً يبدأ من حماية القطيع وتنميته، وإعادة تنظيم مسالك التوزيع، وفك الارتباط التبعي في منظومة الأعلاف، للانتقال من إدارة الهشاشة إلى بناء منظومة إنتاجية متوازنة ومستدامة.



