القاضي بن تركية: قانون الشيكات عطّل الحركة التجارية إلى حدّ الكساد … ولا مناص من مراجعات جوهرية….؟؟!!

القانون صِيغ قبل تهيئة الأرضية الاقتصادية الرقمية القادرة على استيعاب هذا التحول العميق……
تونس اونيفارنيوز هناك تذمر وتشكيات عديدة من المواطنين وخصوصا من التجار الذين كسدت تجارتهم منذ إنطلاق العمل بالفصل 411 جديد من المجلة التجارية بموجب التنقيح الحاصل بالقانون عدد 41 لسنة 2024 الذي كان في جوهره يهدف إلى إصلاح المنظومة المالية وحماية المتعاملين الاقتصاديين وإنهاء المعاناة المرتبطة بعقوبة السجن في مادة الشيكات بإعتبار أن جريمة الشيك بدون رصيد يعتبرها العديد من رجال القانون والاقتصاد بأنها جريمة اقتصادية infraction économique وليست في جوهرها جريمة حق عام infraction de droit commun بالمعنى المعروف.
ورغم النقاط الإيجابية للقانون الجديد، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع أثار عدة تشكيات وانتقادات وتذمرات تركزت بالأساس حول “السلبيات” العديدة في ظرف يحتم التحديات الاقتصادية:
. خطر الركود الاقتصادي ونقص السيولة
.غياب البدائل الفورية للتمويل….
لعشرات السنين، لم يكن الشيك مجرد وسيلة دفع فوري Paiement instantané بل في أغلبه كان وسيلة دفع مؤجل أي “شيك على وجه الضمان” chèque de garantie ولعب على ذلك الأساس دور أداة قرض أو وسيلة تمويل غير رسمية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة وكذلك للمواطنين لشراء التجهيزات والسلع وتقسيط الاستهلاك دون حاجة إلى اللجوء إلى سلفة أو قرض استهلاك بنكي وما يتبعه من فوائض، ومع منع هذه الممارسة بآليات القانون الجديد تواجه السوق اليوم ركودا ونقصاً حاداً في آليات التمويل البديلة.
تشدد البنوك في منح قروض الاستهلاك:
تزامن هذا المنع مع سياسة نقدية حذرة من طرف البنوك وارتفاع في نسب الفائدة المديرية بدعوى الحد من التضخم، مما جعل البنوك تحجم عن تقديم قروض استهلاكية ميسرة كبديل للشيكات.
تراجع الثقة في التعامل بالشيكات:
التسقيف plafonnement الإجباري وعزوف المستفيدين وضع القانون سقف مالي لكل شيك ولكل دفتر شيكات (لا يتجاوز عادة 30 ألف دينار كحد أقصى للدفتر وتحدده البنوك حسب ملاءة الحريف solvabilité du client ). هذا التسقيف، مع تحديد مدة صلاحية الشيك، جعل بعض التجار الكبار والمزودين يرفضون قبول الشيكات في المعاملات الكبرى، مفضلين وسائل دفع أخرى كالكمبيالات أو التحويلات الفورية التي هي قاصرة عن تعويض الشيك في المعاملات التجارية.
تحمل المستفيد bénéficiaire للمسؤولية عبر المنصة الإلكترونية:
رغم أن المنصة الإلكترونية تتيح للمستفيد التثبت من وجود رصيد بحساب الساحب لدى البنك المسحوب عليه لكنها لا تجمد المبلغ أو تخصصه لذلك الشيك affectation وبالتالي تضعه أمام مسؤولية الاختيار؛ وفي حال تراجع الرصيد لاحقاً أو حدوث إشكال، يجد المستفيد نفسه في دوامة تتبع مدني معقدة وطويلة نسبيا لاستخلاص أمواله، خاصة بعد إلغاء التجريم في حدود مبلغ معين.
ثغرات في إلغاء التجريم (العتبة المالية):الغاء جزئي وليس كلي:
ألغى القانون الجديد العقوبة السجنية فقط عن الشيكات التي لا تتجاوز قيمتها 5 آلاف دينار. أما الشيكات التي تفوق هذا المبلغ، فما زالت العقوبة السجنية قائمة فيها لكن تم تخفيضها إلى عامين كحد أقصى مهما كان مبلغ الشيك. والإبقاء على العقوبة السجنية يراه بعض الحقوقيين والاقتصاديين تعسفا على المدين والابقاء على نظرية التنفيذ على الذات البشرية بطريقة”سجن المدين” التي تجاوزتها التشريعات الحديثة في كثير من الدول، لأن الحرية قبل المال.
نقل عبء الرقابة والمسؤولية إلى البنوك:
البنك كـ “شرطي” مالي أصبح على المصارف مسؤولية قانونية أكثر صرامة من قبل للتحقق من الوضعية المالية للحريف البنكي والاطلاع على سجلاته لدى مركزية المعلومات لدى البنك المركزي قبل تسليمه دفتر صكوك، وهذا الإجراء يؤدي حتما إلى:
حرمان فئات واسعة من المواطنين والمهنيين والمؤسسات الناشئة أو الصغرى من الحصول على دفاتر صكوك لدرء المخاطر.
تعقيد الإجراءات البيروقراطية داخل الفروع البنكية لتقييم الحرفاء دورياً خوفا من المسؤولية.
تجريم المستفيد (شيك الضمان):
في هذه المسألة لم يأت القانون بجديد باعتبار أن جريمة قبول شيك مع العلم بخلو الرصيد كانت موجودة من سابق، لكن لم تكن مفعلة كما يجب من حيث التطبيق خاصة وأنها جريمة قصدية وخاضعة للإثبات، إذن بآليات القانون الجديد أصبحت المسألة أكثر جدية وتثير خوف المتعاملين بالشيك خاصة وأنه ليس بإمكان كل التجار الولوج إلى المنصة الألكترونية للاسترشاد، هذا الأمر، وإن كان يهدف لقطع دابر الشيك على وجه الضمان وهي ممارسة خاطئة ومخالفة للقانون، فإنه يُحمل المستفيد مسؤولية ثقيلة وقد يعرض نفسه لعقوبة جزائية قاسية، بدنية ومالية، عند عدم التأكد من وجود الرصيد لدى البنك المسحوب عليه.
وبناء عليه، لازال ينظر خبراء القانون والاقتصاد إلى القانون الجديد على أنه خطوة تشريعية شجاعة لتجنيب ساحب الشيك السجن وإعادة الشيك إلى دوره القانوني الأصلي كـ “أداة خلاص فوري” وليس كوسيلة قرض وضمان، لكن تكمن سلبيته الأساسية في أنه صِيغ بعقلية غير جامعة وقبل تهيئة الأرضية الاقتصادية الرقمية والمصرفية القادرة على استيعاب هذا التحول العميق والمؤثر على الاقتصاد الوطني تأثيرا كبيراً لا يخدم البلاد حال كونها في مسيس الحاجة لاقتصاد أكثر حيوية وحركية.
هذا يعني أن القانون الجديد عطل الحركة التجارية إلى درجة الكساد وعطل المواطن في قضاء شؤونه بأكثر سهولة أمام غلاء المعيشة وعدم القدرة على الخلاص بالحاضر، لذلك لا بد من مراجعات جوهرية وعميقة في الموضوع بما يتماشى ومصلحة المستهلك، وهو المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد، ويكون ذلك في إطار قانوني مرن يأخذ في الاعتبار الظرف الاستثنائي الذي تمر به البلاد..



