خبير :الاقتصاد التونسي بين تجميل الأرقام والواقع الهيكلي المتأزم

تونس -أونيفار نيوز –حذّر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، رضا الشكندالي، من القراءة السطحية للمؤشرات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، واصفًا إياها بـالخديعة الإحصائية التي تُجمّل المشهد بينما تُخفي وراءها واقعًا هيكليًا متأزمًا واقتصادًا يستنزف مقدراته.
تتجسد أولى معالم هذه الأزمة في المسار الانحداري للنمو الاقتصادي؛ فرغم تسجيل نسبة نمو بلغت 2.29% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026، إلا أنها تعكس تراجعًا متواصلاً مقارنة بنسبة 3.43% المسجلة في الفترة ذاتها من العام السابق. ويكشف تفكيك مصادر هذا النمو عن اعتماده على قطاعات موسمية وهشة مثل الفلاحة والصيد البحري (5.54%) والنزل والمطاعم (4.64%)، في مقابل انكماش حاد في المحركات الاستراتيجية، حيث هوى قطاع الفسفاط بنسبة -9.60%، وتراجعت الصناعات الكيميائية بـ -7.02%، وتراجع استخراج النفط والغاز بـ -1.12%، بالإضافة إلى انكماش قطاع النسيج بـ -0.94%، وهو ما يجعل تحقيق هدف ميزانية الدولة للنمو (3.3%) أمرًا شبه مستحيل ويضغط سلبًا على الموارد الجبائية.
وعلى صعيد سوق الشغل، أوضح الشكندالي أن الانخفاض الظاهري لنسبة البطالة إلى 14.9% يُعدّ وهمًا إحصائيًا؛ فالواقع يكشف عن فقدان وتدمير 58.200 موطن شغل دفعة واحدة. ويعود تراجع النسبة حسابيًا إلى انسحاب 77.500 شخص من قاعدة السكان النشيطين بسبب اليأس أو الهجرة غير النظامية، فيما يُعرف بظاهرة “العامل المُحبط”.
ويتزامن هذا التراجع الوهمي مع نمو يُقصي الكفاءات، حيث قفزت نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا من 24% إلى 26.6%، في ظل نموذج اقتصادي يولد وظائف هشة ولا يستوعب أصحاب المهارات العلمية.
وعمّق التحليل أزمة التجارة الخارجية بالإشارة إلى تدهور شروط التبادل التجاري، فبالرغم من زيادة قيمة الصادرات بنسبة 9.91%، إلا أن وزنها ارتفع بنسبة 11.26% (بزيادة 727 ألف طن)، مما يعني تصدير مواد خام وبدائية بأسعار زهيدة مثل الأتربة والإسمنت والكلنكر، وتصدير كميات ضخمة من زيت الزيتون بعائدات أقل تناسبًا، في ظل توقف تصدير الفسفاط المصنّع ذي القيمة المضافة العالية، مقابل توريد سلع أقل حجمًا ولكن بأسعار باهظة.
تفاقم هذا الاختلال بفعل مفارقة الاستثمار الصناعي، إذ تحولت نوايا الاستثمار الإيجابية إلى استنزاف للعملة الصعبة نتيجة ضعف الإدماج المحلي وتزايد الحاجة لاستيراد الآلات والمواد الأولية، فضلاً عن تفاقم العجز الطاقي الذي قفز إلى 8.27 مليار دينار ليلتهم الجزء الأكبر من العجز التجاري الجملي البالغ 14.9 مليار دينار.
وشد د الشكندالي في قراءته على شلل الدبلوماسية الاقتصادية، حيث لم يستفد الاقتصاد من الفائض المحقق مع الاتحاد الأوروبي (3.46 مليار دينار) نتيجة التبعية الاستنزافية لأسواق أخرى استأثرت بعجز قياسي، وفي مقدمتها الصين (6.79 مليار دينار)، والجزائر، وتركيا، ومصر، وروسيا، مما يرهن السيادة الاقتصادية للبلاد لصالح شركاء لا يستوعبون صادراتها.



