أخبار مهمة

الطيب الطويلي لـ«أونيفار نيوز»: الدراما لم تعد تنقل الانحراف فقط.. بل تساهم في نمذجة العنف والمخدرات….

 

 

الدراما تقدم تجار المخدرات ،المهربين كاصحاب كاريزما وسطوة وجاذبية مالية واجتماعية

 

 

تونس اونيفارنيوز اعادت جريمة الاغتصاب الجماعي لفتاة ال15عاما مسالة اتهام دراما سامي الفهري

بالتورط في في الترويج لتجار المخدرات وتبييض العنف فضلا عن القيم التي كانت حصنا منيعا امام عدة جرائم. وتعقيبا على ذلك

صرح المختص في علم الاجتماع “الطيب الطويلي “

ل”اونيفارنيوز ” ان هذه القضية تكتسي أهمية تتجاوز اعتبارها جريمة، لتعرّي التحولات العميقة التي مسّت بنية المجتمع التونسي في العقدين الأخيرين.

فهذه الحادثة ليست انتهاكا لجسد الضحية، بل هي تعزيز للانتهاك الحاصل لوثاق الأمان الاجتماعي الذي يتآكل تدريجيا منذ فترة. وتجمع في طياتها تساؤلات حول إشكاليات عدة كالمخدرات والطفولة والعنف المجتمعي وأدوار وسائل الإعلام.

فأسباب الكارثة كثيرة من بينها التطبيع مع المخدرات وجعلها أمرا اعتياديا عبر حملات عديدة للدعوة للتطبيع المباشر عبر الدعوات إلى إلغاء العقوبات وحملات أخرى للتطبيع غير المباشر عبر وجود المخدرات في البرامج التلفزية والدرامية التونسية كمنتج عادي يتم استهلاكه من طرف أشخاص يتمتعون بالحظوة والمكانة، ويتخذون مكان “القدوة” في نفوس الشباب، وإضفاء جاذبية درامية على مختلف أشكال الانحراف والعنف والمخدرات.

يرى الكثيرون أن المشهد الإعلامي والدرامي تحول منذ سنوات إلى مشجع على المخدرات والعلاقات المشبوهة والإجرام، ومع أن الكثير من الصنّاع هذه الأعمال يتحججون بمقولة أن مهمة الدراما تتمثل في نقل الواقع كما هو، رغم محدودية هذه المقولة، ولكنها مع ذلك لم تكتفِ بنقل الواقع، بل قامت بنمذجة السلوك الانحرافي عبر التركيز المتكرر على التطبيع مع الجريمة والعنف، وإظهار الخيانة والغدر كممارسات يومية ومبررة ضمن صراعات القوة. مع إعادة تعريف النجاح والبطولة وتقديم تجار المخدرات والمهربين والشخصيات الإجرامية في صورة أبطال أو أصحاب كاريزما وسطوة وجاذبية مالية واجتماعية، مما يغري الشباب بتمثل سلوكياتهم وإعادة إنتاجها.

مع تفكيك النواة الأسريّة وإبراز الأسرة التونسية ككيان هش، ممتلئ بالأسرار يختار دائما الصمت والكتمان على المصارحة، كما أن العقدة الرئيسية للمسلسل غالبا ما تكون في الانحلال الأخلاقي، والقطيعة بين الجيلين، مع طغيان مشاهد العنف والانتحار.

ومن هذا المنظور، تُتهم هذه الدراما بشرعنة رمزية للجريمة، وتدنيس القيم التقليدية التي كان التلفزيون التونسي يدعو لها في زمن سابق.

اتكاء صناع الدراما على فكرة أنها مرآة مكبرة وأنهم لا يصنعون سلوكيات من العدم باعتبار أن لعنف، وتجارة المخدرات، وتفكك العلاقات الاجتماعية هي ظواهر موجودة أصلًا في عمق المجتمع التونسي في تقديري هو تبرير نفعي يهدف إلى مزيد إنتاج برامج تخاطب الغرائز وتثير الإعجاب من أجل حصد نسب مشاهدة وقتية، دون التفكير فيما يمكن أن يخلفه المشهد الذي مرّ على المتلقي من تغيير في سلوكه أو اضطراب في تنشئته الاجتماعية.

هذه الجريمة تمثل فعلا صدمة قيمية، وتطرح أسئلة جوهرية حول الهدف من المنتج الإعلامي أو الفني، وهل تقف حرية الإبداع والواقعية الدرامية عند حدود حماية السلم الاجتماعي والأخلاقي، أم أن فرض رقابة على المحتوى الدرامي يمثل مصادرة للحريات وتغطية لمشاكل المجتمع الحقيقية؟ وحول مدى إسهام الثقافة البصرية في جعل الجريمة والاستهلاك السريع مادة للترفيه، وفي بلورة نوع جديد من التفسخ الأخلاقي لدى الشباب والمراهقين.

إن هذه القضية بما حملته من بَشاعة تمثل أعلى درجات السقوط القيمي الذي يعاني منه المجتمع الذي أصبح قصوويا في ميله إلى العنف، طعانا لعانا، بلا وازع أخلاقي وإني أرى من المهم في هذه الحالات المحاسبة عبر تشديد العقوبات على المجرمين والتركيز على التربية السليمة ومنها تربيه الجنسية.

كما علينا ألا ننسى أن دور الدراما لا يتمثل في نقل الواقع بجموده، أو في انتقاء أسوأ ما في المجتمع وتهميش الإيجابي فيه، بل دور الدراما في إعادة بناء المعاني والرموز من أجل تقديم رسائل مفيدة للمجتمع من أجل الوصول إلى السمو الأخلاقي، فتجميل الواقع أو تقديم المجرم كفرد موصوم ليس خداعا بقدر ما هو إبراز للقيم الإنسانية العليا للارتقاء بالبشر فوق بؤس الحياة اليومية.

وإن للمؤسسة الأسرية الدور الأكبر في التنشئة الاجتماعية التي تحدد بشكل كبير المسار السلوكي للفرد، فهي إما أن تكون عامل حماية وتوقٍّ يمنع الجريمة ويسعى لإحاطة وتأطير الطفل، أو يكون عاملا سلبيا مهملا ومحايدا وغير فاعل في عملية التنشئة الاجتماعية السليمة.

الثابت انه لا يمكن إرساء سلم أهلي وأمان مجتمعي ودعم التماسك الاجتماعي ما لم تتبنَّ الدولة سياسة اجتماعية شاملة تحاول عبرها إيجاد الحلول للهشاشة التي يعاني منها الشباب عبر مقاومة شديدة للمخدرات والعقاب الصارم للمجرمين والمغتصبين وقطاع الطرق من أصحاب البراكاجات وأيضا عبر معالجة هيكلية لظاهرة البطالة سلبيا.

اسماء وهاجر 

زر الذهاب إلى الأعلى