
امتحان عسير وسط فراغ قيادي…
تونس اونيفارنيوز تأتي استقالة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي في توقيت بالغ الدقة، قبل أسابيع قليلة من الإضراب العام المقرر ليوم 21 جانفي، لتضع المنظمة النقابية الأكبر في البلاد أمام أحد أعقد امتحاناتها منذ سنوات. فالقرار الذي اتخذته هياكل الاتحاد بشأن الإضراب يتمتع بشرعية تنظيمية واضحة، لكنه يصطدم اليوم بفراغ قيادي وانقسام داخلي يهددان بتحويل هذا الاستحقاق من ورقة ضغط على السلطة إلى مرآة لأزمة الاتحاد نفسه.
الإضراب العام لم يكن مبادرة فردية أو رد فعل ظرفي، بل صدر عن الهيئة الإدارية الوطنية مرفقًا بلائحة مطالب سياسية واجتماعية دقيقة، تتقدمها الحريات العامة، إلغاء المرسوم 54، إطلاق سراح مساجين الرأي، واستئناف الحوار الاجتماعي والتفاوض حول الأجور والزيادات. من هذه الزاوية، لا جدال في شرعية القرار من حيث الشكل والإجراءات. غير أن استقالة الأمين العام وما رافقها من تجاذبات حول التمديد والتمثيل، أضعفت الإطار السياسي الذي يُفترض أن يحتضن هذا القرار ويقوده.
هذا الوضع خلق مفارقة داخل البيت النقابي.. إضراب قائم قانونيًا، لكنه محاط بقيادة مرتبكة ومحل تشكيك داخلي. وهو ما غذّى انقسامًا واضحًا بين من يرى في التمسك بالإضراب ضرورة للحفاظ على وحدة الاتحاد واستمراريته كفاعل وطني مستقل، وبين من يعتبر أن خوض مواجهة واسعة مع السلطة في ظل هذا الضعف الداخلي قد يفاقم الأزمة ويفتح الباب أمام انقسامات أعمق.
في هذا السياق، لم يعد الإضراب العام مجرد أداة ضغط اجتماعي، بل اكتسب بعدًا مزدوجًا. فمن جهة، يظل ورقة تفاوض مركزية في ملف الحريات والقدرة الشرائية والعلاقة مع السلطة التنفيذية. ومن جهة أخرى، بات جزءًا من صراع داخلي حول الشرعية والقيادة داخل الاتحاد، حيث يُوظف إما لإثبات القدرة على التعبئة أو لتبرير مراجعة المسار والخيارات.
هذا التداخل بين الخارجي والداخلي انعكس مباشرة على موقع الاتحاد في المعادلة السياسية. فإرباك المخاطب الاجتماعي الرئيسي منح السلطة هامش مناورة إضافيًا، وأجّل مواجهة كانت تلوح في الأفق حول المسار السياسي والخيارات الاقتصادية. كما فتح الباب أمام فرضية إعادة تشكيل قيادة نقابية أكثر قابلية للتفاهم وأقل ميلًا إلى التصعيد، في ظل تآكل الثقة بين القيادة والقواعد.
أمام هذه المعطيات، يجد الاتحاد نفسه أمام خيارات صعبة. فإما المضي في تنفيذ الإضراب مع تثبيت الاستقالة والمرور إلى مرحلة انتقالية منظمة، بما يحوّل الإضراب إلى اختبار لقدرة الهياكل على الصمود خارج منطق الشخصنة؛ وإما تعليق الإضراب بدعوى حماية وحدة المنظمة، وهو خيار يحمل كلفة رمزية ونقابية عالية؛ أو الذهاب أبعد من ذلك، باستثمار الاستقالة كمدخل لإعادة تأسيس داخلية تُنهي مرحلة التمديدات والضبابية، وتعيد بناء الشرعية على أساس واضح ومؤقت في انتظار مؤتمر يعيد تعريف وظيفة الاتحاد ودوره.



