الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي: تونس 2025 اقتصاد بلا محرّكات حقيقية….

تونس اونيفارنيوز كشفت المؤشرات الاقتصادية لسنة 2025 عن حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الاقتصاد التونسي لا يعيش مرحلة تعافٍ بقدر ما يراوح مكانه داخل حلقة من الهشاشة المزمنة، حيث يتحقق نمو محدود دون محرّكات حقيقية، وتتفاقم الاختلالات في مقابل سياسات وتشريعات تفتقر إلى الانسجام والرؤية استنادا الى قراءة الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي.
فالأرقام، رغم ما تحمله أحيانًا من إشارات إيجابية ظرفية، تؤكد أن الأزمة في جوهرها بنيوية وليست ظرفية.
لم يتجاوز معدل النمو الاقتصادي خلال سنة 2025 نسبة 2.5% وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وهو مستوى ضعيف مقارنة بالمحيط الإقليمي وأقل من الفرضية المعتمدة في ميزانية الدولة.
هذا الفارق لا يعكس فقط خللًا في التقدير، بل يترجم مباشرة في تقلّص الموارد الجبائية وفي تعمّق الاعتماد على التمويل، في وقت يُرفع فيه خطاب السيادة الاقتصادية دون توفير أدواتها.
الاستثمار في حالة جمود…..
الخطير أن هذا النمو لم يكن نتيجة ديناميكية إنتاجية، بل تحقق أساسًا بفضل الاستهلاك الخاص، في حين ظلّ الاستثمار الخاص والصادرات في حالة جمود شبه كامل. كما أن التعافي المسجّل ارتكز على قطاعي الفلاحة والسياحة، وهما قطاعان يرتبط أداؤهما بعوامل خارجية ومناخية لا يمكن التعويل عليها لبناء مسار تنموي مستدام. ورغم عودة نسبية للإنتاج في قطاع الفسفاط، فإن القاعدة الصناعية واصلت تآكلها، وهو ما يتجلى بوضوح في الأداء السلبي لقطاع النسيج والملابس والجلود، أحد أبرز القطاعات المشغّلة.
هذا الضعف البنيوي في النمو انعكس مباشرة على سوق الشغل، حيث استقرّت البطالة في مستوى مرتفع بلغ 15.4%، مع تسجيل ارتفاع مقلق في بطالة الشابات التي قفزت إلى 42.7%. هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة تشغيل، بل تؤكد أن النمو الحالي عاجز عن خلق فرص عمل، وخاصة لفئة الشباب والنساء، وهو ما يهدد بتكريس الإقصاء الاجتماعي وتآكل الرأسمال البشري.
بالتوازي مع ذلك ازدادت هشاشة التوازنات الخارجية بشكل لافت، حيث بلغ العجز التجاري خلال الأحد عشر شهرًا الأولى من سنة 2025 مستوى غير مسبوق قُدّر بـ20.2 مليار دينار. ويعود ذلك بالأساس إلى الانفجار المتواصل للعجز الطاقي، الذي تجاوز 10.3 مليارات دينار، وإلى توقف الصادرات عن النمو مقابل تواصل ارتفاع الواردات. كما زاد من حدّة هذا الاختلال تراجع صادرات الطاقة وانخفاض عائدات زيت الزيتون بشكل كبير مقارنة بالسنة الماضية. ورغم تسجيل تحسن نسبي في صادرات الفسفاط والصناعات الميكانيكية والكهربائية، فإن هذه المكاسب تبقى محدودة وغير قادرة على تعديل المسار العام للميزان التجاري.
أما على مستوى الأسعار، فقد عرف التضخم المالي منحىً تنازليًا، وهو تطور يُنظر إليه بإيجابية من زاوية المؤشرات الكلية وصورة تونس لدى المؤسسات المالية الدولية. غير أن هذا التراجع لا يعكس الواقع المعيشي للتونسيين، إذ يظل التضخم الغذائي أعلى بكثير من المعدل العام، ما يواصل استنزاف القدرة الشرائية ويعمّق الشعور بتدهور مستوى العيش.
ويكشف هذا التناقض بين المؤشرات الرسمية والواقع الاجتماعي عن محدودية المقاربة المعتمدة في معالجة الأزمة.
وفي هذا السياق، مثّل قرار البنك المركزي التونسي التخفيض في نسبة الفائدة المديرية مرتين خلال سنة 2025 إشارة إلى مراجعة جزئية لسياسة نقدية اتسمت لفترة طويلة بالمبالغة في التحفّظ. هذا التوجه من شأنه التخفيف من أعباء القروض البنكية وتقليص كلفة الاستثمار، لكنه يظل غير كافٍ في ظل غياب مناخ أعمال محفّز واستقرار تشريعي واضح يعيد الثقة للفاعلين الاقتصاديين.
وتبرز المفارقة بشكل أوضح عند النظر إلى موقع تونس في التصنيفات الدولية، حيث تحتل مراتب متقدمة من حيث حجم المديونية الخارجية، مقابل تحسن طفيف في قدرتها على سداد الديون، وهو ما تُرجم بتحسين محدود في الترقيم السيادي من قبل وكالات التصنيف. ورغم ذلك، تبقى البلاد ضمن خانة الدول ذات المخاطر الائتمانية المرتفعة، في حين تواصل تراجعها في مؤشرات الحرية الاقتصادية، بما يعكس مناخًا طاردًا للاستثمار ومكبّلًا للمبادرة الخاصة.
هذا الاختلال بين المؤشرات الاقتصادية والسياسات المعتمدة تعمّق أكثر بفعل جملة من التشريعات التي طُبّقت خلال سنة 2025. فرغم ما تحمله بعض القوانين من بعد اجتماعي مشروع، فإنها صدرت في أغلبها دون تقييم اقتصادي دقيق لكلفتها وتداعياتها. فقد أدّى تخفيض الأقساط البنكية إلى تشدد البنوك في الإقراض السكني، وساهم القانون الجديد للشيكات في توسيع حجم النقد المتداول وعودة قوية للاقتصاد الموازي، كما أن مكاسب مقاومة التشغيل الهش تبقى غير قابلة للاستدامة في غياب خلق الثروة. وفي الوقت نفسه، تم تمرير فصول ذات رمزية اجتماعية كبيرة دون آليات واقعية للتنفيذ، مع مواصلة الضغط على المالية العمومية عبر إقراض الدولة بمبالغ متزايدة، ما يطرح أسئلة جدية حول استدامة التوازنات المالية…!!!



