الكاتب عمر الشبلي :لن ينتصر العرب على إسرائيل ….لا اليوم ولا غدًا….

تونس اونيفارنيوز لن ينتصر العرب على إسرائيل، لا اليوم ولا غدًا، ما دام ميزان القوة لدينا يُقاس بعدد الخطب لا بعدد المختبرات، وبعلوّ الشعارات لا بعمق المعرفة. هذه ليست هزيمة نفسية ولا جلدًا للذات، بل قراءة واقعية لقانون قاسٍ يحكم عالمًا لا ينتظر المتأخرين ولا يرحم من يصرّ على العيش خارج زمنه.
نعيش وهمًا خطيرًا مفاده أن الشجاعة وحدها تصنع النصر، وأن الحناجر المرتفعة قادرة على إسقاط الأقمار الصناعية، وأن الدعاء يمكن أن يحل محل التخطيط، بينما العالم من حولنا يحسم صراعاته بالخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، واقتصاد المعرفة. إسرائيل لا تنتصر لأنها “أشجع”، بل لأنها استثمرت في العقل قبل البندقية، وفي الجامعة قبل المتراس، وفي المختبر قبل المنبر.
حروب هذا العصر لم تعد مواجهات تقليدية بين جنود، بل صدامًا بين إنسان مجرد من أدوات العصر، ومنظومة متكاملة من التكنولوجيا المتقدمة: طائرات مسيّرة لا تعرف التعب، أنظمة ذكاء اصطناعي تتنبأ قبل أن يتحرك الخصم، تفوق سيبراني، روبوتات قتالية، وبنية بحث علمي مرتبطة مباشرة بصناعة القرار العسكري. هذا هو شكل الحرب الحديثة، ومن لا يفهمه يُهزم قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.
وفي الجهة المقابلة، ماذا نفعل نحن؟ نستنزف أعمارنا في صراعات هامشية وجدالات عقيمة: من مع الإيمان ومن ضده، من وطني ومن خائن، من يدخل الجنة ومن يدخل النار. وفي الوقت نفسه تتراجع جامعاتنا، وتغيب مراكز أبحاثنا، ويُهمَّش علماؤنا أو يُدفعون إلى الهجرة، ويُقمع التفكير النقدي باسم “الثوابت”، ويُستبدل العقل بالخرافة، والمعرفة بالتلقين.
لسنا فقراء بالموارد، ولا معدمين في الإمكانات، ولا عاجزين في الطاقات البشرية. فقرنا الحقيقي هو فقر الإدارة، وفقر الرؤية، وفقر احترام العلم. نملك المال لكننا لا نملك المشروع، نملك الخطاب ولا نملك الخطة، نملك الغضب ولا نملك المعرفة. وهذا أخطر أنواع الفقر.
القرن الحادي والعشرون لا يعترف بالبكاء على الأطلال، ولا يمنح احترامه لمن يعيش على أمجاد الماضي. القوة اليوم تُصنع في الجامعات لا في الساحات، في مراكز البحث لا في ساحات الهتاف، في العقول الحرة لا في العقول المعبّأة. ومن يرفض دخول معركة المعرفة خاسرًا، سيظل خارج التاريخ مهما كانت قضيته عادلة.
هذا الكلام ليس دعوة إلى اليأس، بل صرخة في وجه الوهم. ليس تبريرًا للهزيمة، بل تشخيصًا لأسبابها. فالنصر لا يولد من الخطب، ولا من المزايدات، ولا من استدعاء العاطفة وحدها. النصر يُبنى بصمت، عبر سنوات طويلة من التعليم الجاد، والبحث العلمي، والانضباط المؤسسي، واحترام العقل.
وإن أردنا فعلًا أن نكون أقوياء، فعلينا أولًا أن نتوقف عن خداع أنفسنا. وأن نطرح السؤال الحقيقي المؤلم:
ماذا ننتج؟
ماذا ابتكرنا؟
وماذا أضفنا إلى هذا العالم؟
أما غير ذلك، فسيظل حديثنا عن النصر مجرد عزاء جماعي… في جنازة ميت.



