الهادي دحمان : منظومة “الكنام” لم تحقق أهدافها والتغطية الفعلية لا تتجاوز 64%.

تونس – اونيفار نيوز -أكد الخبير والمختص في أنظمة الضمان الاجتماعي، الهادي دحمان، أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض (كنام)، الذي أُحدث عام 2004 في إطار برنامج إصلاحي مدعوم من الاتحاد الأوروبي، لم ينجح في تحقيق أهدافه الرئيسية رغم مرور أكثر من 21 سنة على تأسيسه. وأوضح دحمان، في تصريح لإذاعة “إكسبراس”، أن تعثر الإصلاحات المرافقة للمشروع وعدم اكتمالها انعكسا سلباً على جودة الخدمات المتاحة واستدامة المنظومة برمتها، مبيناً أن الهدفين الأساسيين المتمثلين في توحيد التغطية الصحية بين القطاعين العام والخاص لتشمل 93% على الأقل من التونسيين، إلى جانب تأهيل وتطوير المستشفيات العمومية، لم يتحققا؛ بل على العكس من ذلك، شهد القطاع الصحي العمومي تراجعاً متواصلاً ومستمراً.
وفي تشخيصه للأزمة الهيكلية للصندوق، أشار دحمان إلى أن “الكنام” يعتمد أساساً على المساهمات الاجتماعية للأجراء وأصحاب العمل، غير أنه يفتقر إلى الاستقلالية المالية الكاملة نظراً لاستمرار تحصيل هذه المساهمات عبر الصناديق الاجتماعية الأخرى، مما يعوق سيولته وقدرته على الوفاء بالتزاماته. ورغم أن الموارد المحاسبية النظرية للصندوق تبدو كافية لتغطية نفقاته، إلا أنه يعاني عملياً من أزمة سيولة خانقة تسببت في تأخير سداد مستحقات مسدي الخدمات الصحية (كالصيادلة، ومخابر التحاليل، ومراكز تصفية الدم)، فضلاً عن إطالة فترة استرجاع مصاريف العلاج للمضمونين الاجتماعيين من 10 أيام (كهدف مسطر) إلى نحو شهرين حالياً. هذا الوضع أدى إلى احتجاجات متكررة من الشركاء الطبيين، وهدد استمرارية بعض الاتفاقيات الحيوية كمنظومة “طبيب العائلة”، ودفع ببعض المواطنين إلى اللجوء للقضاء لاسترداد حقوقهم.
وعلى مستوى نسب التغطية الفعلية، كشف الخبير أنها لا تتجاوز اليوم ما بين 63% و64% من السكان، لافتاً إلى أن وجود نحو 2.5 مليون تونسي يعملون في الاقتصاد الموازي يحرمهم تماماً من التغطية الصحية والتقاعد. وبخصوص المنظومات العلاجية الثلاث التي يوفرها الصندوق، أفاد دحمان بأن الغالبية العظمى من المنخرطين (حوالي 70%) يتجهون نحو منظومة العلاج بالمؤسسات الصحية العمومية، مقابل 20% يفضلون منظومة استرجاع المصاريف، و10% فقط يعتمدون منظومة طبيب العائلة؛ وأرجع هذا التوزيع إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطن وارتفاع تكلفة العلاج بالقطاع الخاص، حيث أصبح الإنفاق الصحي يستنزف ما بين 28% و30% من ميزانية الأسرة التونسية، ولا سيما للعائلات التي تضم أطفالاً أو كبار سن، مؤكداً في الوقت ذاته على الدور المصيري للصندوق في حماية آلاف العائلات من الأعباء المادية الكارثية للأمراض المزمنة والخطيرة.
وفي سياق متصل، انتقد المقاربة الحالية لمنظومة حوادث الشغل والأمراض المهنية التي تركز بنسبة 90% على التعويض مقابل 10% فقط للوقاية، داعياً إلى عكس هذه المعادلة تماشياً مع التجارب الدولية المتقدمة. كما شدد على ضرورة تحيين قائمة الأمراض المهنية لتشمل الاضطرابات المستجدة المرتبطة بالتطور التكنولوجي والعمل المطول أمام الشاشات (مثل الإجهاد المهني، والاضطرابات النفسية والعصبية، وأمراض الجهاز العضلي)، إلى جانب ملاءمة التشريعات مع أنماط العمل الحديثة كالعمل عن بعد. وختم دحمان بالدعوة إلى إدماج المهن الجديدة (كعمال المنصات الرقمية، وخدمات التوصيل، والمساعدة المنزلية) في مظلة الأمان الاجتماعي، مؤكداً أن التحولات الديمغرافية المتسارعة في تونس — ولا سيما ارتفاع مأمول الحياة إلى 75 سنة وتزايد فئة كبار السن — تفرض مراجعة جذرية وعاجلة لمنظومة الضمان الاجتماعي والتأمين على المرض لضمان توازنها المالي وحماية الحق الدستوري في الصحة ومواكبة سوق الشغل المستقبلي.



