قانون فرنسي جديد… أم شرعنة حديثة لنهبٍ قديم؟

تونس اونيفارنيوز من غير المنطقي ان تبالغ الدول التي نُهب تراثها خلال الحقبة الاستعمارية ،في الاحتفاء بالقانون الفرنسي الجديد المتعلق بإرجاع الممتلكات الثقافية والآثار المنهوبة.
وقد اعتبر الموقع المتخصص “قرطاش” ان النص، في ظاهره، وان كان يظهر كخطوة أخلاقية وتاريخية نحو الاعتراف بالمظالم الاستعمارية، فإنّ التدقيق في تفاصيله يكشف واقعاً مختلفاً تماماً .فهو إعادة صياغة قانونية تمنح فرنسا شرعية جديدة للاحتفاظ بمعظم ما استولت عليه خلال الحقبة الاستعمارية، ولكن هذه المرة تحت غطاء قانوني “حديث” وبلغة حقوقية أكثر نعومة .
في الجوهر، لا يؤسس القانون لمسار حقيقي وعادل لاسترجاع التراث المنهوب، بقدر ما يضع شبكة معقدة من الشروط والإجراءات التي تجعل عملية الاسترداد شديدة الصعوبة، إن لم تكن شبه مستحيلة في أغلب الحالات _استنادا لنفس المصدر _والأسوأ أنّه ينقل المعركة من بعدها الأخلاقي والتاريخي إلى متاهة قانونية وإدارية تتحكم فرنسا نفسها في مفاتيحها.
أول هذه الأفخاخ يتمثل في تحميل الدولة الطالبة كامل عبء الإثبات. أي أنّ تونس، مثلاً، مطالبة بتقديم الأدلة والوثائق التي تثبت أنّ القطع الأثرية المعروضة في المتاحف الفرنسية قد نُهبت أو خرجت بطرق غير شرعية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فمعظم الأرشيف المتعلق بفترة الاستعمار إمّا ضائع، أو أتلف مع الزمن، أو موجود أصلاً لدى الطرف الفرنسي. وبالتالي تصبح الدولة المستعمَرة مطالبة بإثبات جريمة تاريخية باستخدام وثائق يحتفظ بها المستعمِر نفسه، وهو وضع يكشف اختلالاً عميقاً في ميزان العدالة القانونية.
أما الفخ الثاني، فهو الاعتراف فقط بالنهب “القابل للتوثيق”. وهذه النقطة بالذات تُفرغ القضية من بعدها السياسي والتاريخي. فالكثير من عمليات الاستحواذ على الآثار جرت تحت غطاء “قانوني” وفق منطق ذلك الزمن الاستعماري. كانت هناك تراخيص، واتفاقيات، وموافقات رسمية صادرة عن الباي أو عن إدارات الحماية، لكن الجميع يعلم أنّ تلك الموافقات لم تكن تعبّر عن سيادة حقيقية، بل صدرت في سياق هيمنة استعمارية كاملة اختلّت فيها موازين القوة والإرادة.
ومع ذلك، يستطيع القانون الفرنسي اليوم أن يتعامل مع تلك الوثائق باعتبارها سنداً قانونياً مشروعاً، حسب _قراءة نفس الموقع “قرطاش “_متجاهلاً حقيقة أنّ “الشرعية” الاستعمارية نفسها كانت قائمة على الإكراه والسيطرة. وهنا يتحول القانون من أداة لإنصاف الضحايا إلى وسيلة لإعادة تبييض الماضي الاستعماري وإضفاء شرعية جديدة عليه.
أما الفخ الثالث، وربما الأخطر بالنسبة لتونس، فيتعلق بملفات الحفريات والبعثات العلمية. فجزء كبير من التراث التونسي الموجود في فرنسا خرج عبر بعثات أثرية أجنبية، أو من خلال اتفاقيات “تقاسم الحفريات”، أو عبر مؤسسات ومعاهد بحثية كانت تعمل زمن الحماية الفرنسية. وبناء على ذلك، تستطيع فرنسا الادعاء بأن تلك القطع لم تُنهب أصلاً، بل غادرت البلاد في إطار “تعاون علمي” وبموافقة رسمية.
هذه الصيغة القانونية تمنح باريس مساحة واسعة للمناورة، لأنها تسمح بتحويل قضية نهب استعماري إلى مجرد ملف إداري قابل للنقاش التقني. وهكذا تصبح المعركة حول تفاصيل الوثائق والإجراءات، لا حول المبدأ الأساسي: هل كان من الممكن أصلاً الحديث عن “موافقة حرة” داخل منظومة استعمارية قائمة على السيطرة والإخضاع؟
لهذا السبب، فإنّ القانون الفرنسي الجديد لا يفتح الباب إلا أمام حالات محدودة وواضحة جداً: سرقات مباشرة، نهب عسكري موثق، أو قطع أثرية خرجت دون أي سند قانوني ظاهر. أما بقية الملفات، وهي الأكثر عدداً وتعقيداً، فستظل عالقة داخل مسارات بيروقراطية وقضائية طويلة قد تمتد لعقود دون نتيجة حقيقية.
بمعنى آخر، إذا أرادت تونس استرجاع جزء من حقوقها التاريخية، فإنها لن تواجه فقط متاحف أو مؤسسات ثقافية، بل ستدخل في نفق قانوني فرنسي شديد التعقيد، صُمّم بعناية ليمنح الانطباع بالانفتاح والعدالة، بينما يكرّس عملياً الوضع القائم ويحمي المصالح الفرنسية.
والأخطر من كل ذلك أنّ هذا القانون لا يدين المنظومة الاستعمارية ذاتها، ولا يعترف بعدم شرعيتها الأخلاقية والتاريخية، بل يعيد تدويرها قانونياً. فبإمكان فرنسا ببساطة أن تقول: “كان هناك ترخيص، وكان الباي موافقاً”، وكأنّ الاستعمار كان علاقة متكافئة بين طرفين حرّين، لا منظومة هيمنة فرضت إرادتها بالقوة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية غالقضية ليست فقط قضية آثار وتماثيل ومخطوطات، بل قضية سردية تاريخية كاملة. فحين يُعاد تعريف النهب الاستعماري باعتباره “تعاوناً قانونياً”، يصبح القانون نفسه أداة لإعادة كتابة التاريخ، لا لتصحيحه.
اسماء وهاجر



