أخبار مهمة

مخطوطات ابن الجزار القيرواني.. أين يوجد اليوم تراث طبيب القيروان؟

 

حان الوقت لاستعادة حضور تونس في تاريخ العالم….

 

تونس اونيفارنيوز في  الوقت الذي يتزايد فيه الاهتمام العالمي بحماية التراث الفكري والعلمي، يبرز اسم تونسي يستحق أن يستعيد مكانته في الذاكرة العلمية العالمية: أبو جعفر أحمد بن إبراهيم ابن الجزار القيرواني، الطبيب الذي خرج علمه من القيروان ليصل إلى الأندلس وأوروبا، وترك مؤلفات في الطب ظلت قروناً جزءاً من حركة انتقال المعرفة بين الحضارات.

ولد ابن الجزار في القيروان في حدود سنة 285 هـ/898 م، ونشأ في بيئة عائلية عرفت بالطب، ودرس على عدد من أعلام عصره، قبل أن يصبح واحداً من أشهر أطباء القيروان. ولم تقتصر شهرته على مدينته، بل قصد طلاب العلم القيروان للاستفادة من معارفه، وانتشر صيت مؤلفاته في الأندلس والمشرق ثم في أوروبا.

تكمن قيمة ابن الجزار في تنوع اهتماماته الطبية، إذ تناول في مؤلفاته أمراضاً وموضوعات مختلفة، واهتم بشكل خاص بطب الأطفال وطب المسنين والتغذية والعلاج والوقاية.

ويأتي كتابه الشهير «زاد المسافر وقوت الحاضر» في مقدمة هذه المؤلفات. وهو عمل طبي واسع جمع فيه معارف حول الأمراض وأعراضها وطرق علاجها، ليصبح واحداً من أبرز الكتب التي عُرفت بها المدرسة الطبية القيروانية.

كما ترك مؤلفات أخرى، من بينها «سياسة الصبيان وتدبيرهم»، المرتبط بطب الأطفال ورعايتهم، إضافة إلى مؤلفات تناولت علاج الفقراء وتوفير وسائل علاج أقل كلفة.

ولم تتوقف رحلة هذه المعرفة عند حدود العالم الإسلامي كما كشف ذلك أستاذ التاريخ و الحضارة ابولبابة النصيري إذ انتقلت مؤلفات ابن الجزار إلى الأندلس، ثم وجدت طريقها إلى أوروبا من خلال حركة الترجمة إلى اللاتينية، لتدخل بذلك في مسار انتقال العلوم الطبية العربية والإسلامية إلى المدارس الأوروبية.

كانت القيروان في ذلك العصر مركزاً علمياً مهماً في المغرب الإسلامي، وكان ابن الجزار أحد أبرز الأسماء التي جسدت قدرتها على إنتاج المعرفة وتصديرها إلى خارج حدودها.

و عليه اكد النصيري ان دراسة ابن الجزار لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة لسيرة طبيب من القرن الرابع الهجري، بل مدخلاً لإعادة قراءة دور القيروان وتونس في تاريخ العلوم والطب في المتوسط.

في خضم كل ذلك السؤال الاهم في اعتقاده الذي يستحق أن يُطرح اليوم بجدية هو: أين توجد مخطوطات ومؤلفات ابن الجزار؟ ومن يوثقها؟ ومن يتابع مسارها؟

فمؤلفاته محفوظة في مجموعات مخطوطات ومكتبات داخل تونس وخارجها، وتوجد نسخ ومخطوطات مرتبطة بأعماله في مؤسسات تراثية وعلمية مختلفة، بما في ذلك مجموعات أوروبية وعربية.

لكن مجرد وجود المخطوط في مكتبة أجنبية لا يلغي أصله العلمي ولا علاقته بتاريخ القيروان. كما أن انتشار نسخ المؤلفات عبر القرون أمر طبيعي في تاريخ المخطوطات، خصوصاً بالنسبة إلى الكتب التي انتقلت بين المراكز العلمية، وجرى نسخها وترجمتها وتداولها.

ان المطلوب اليوم هو إعداد خريطة علمية دقيقة لتراث ابن الجزار: أين توجد النسخ؟ ؟ متى نُسخت؟ ومن نسخها؟ وما الذي بقي من مؤلفاته؟ وما النسخ التي ترجمت إلى اللاتينية؟ وما الذي يمكن رقمنته وإتاحته للباحثين؟

إن حماية تراث ابن الجزار لا تعني المطالبة بإعادة كل نسخة من مخطوطاته الموجودة في الخارج، فالمخطوطات لها تاريخ معقد في الانتقال والتداول، وإنما تعني قبل كل شيء توثيق هذا التراث وإبرازه وربطه بمصدره العلمي والتاريخي.

وتستطيع تونس، من خلال المكتبة الوطنية والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات المختصة بالتراث، إطلاق مشروع وطني لتوثيق أعمال ابن الجزار، وجمع الفهارس والصور الرقمية للنسخ الموجودة في مختلف أنحاء العالم، وإنجاز طبعات علمية محققة وترجمات حديثة لمؤلفاته.

فالمخطوط الذي لا يعرفه أحد يمكن أن يبقى حبيس الخزانة، أما المخطوط الذي يُحقق ويُدرس ويُرقمن ويُترجم، فإنه يتحول إلى ذاكرة علمية حية.

لم يكن ابن الجزار مجرد طبيب عاش في القيروان قبل أكثر من ألف عام، بل كان واحداً من العلماء الذين ساهموا في بناء المعرفة الطبية في الحضارة الإسلامية، ثم انتقلت آثار هذه المعرفة إلى فضاءات علمية أخرى.

ومن هنا فإن السؤال عن مخطوطاته ليس سؤالاً عن أوراق قديمة، بل عن جزء من تاريخ تونس العلمي، وعن موقع القيروان في تاريخ الطب العالمي.

لقد عرفت القيروان ابن الجزار، واحتفظ العالم بكتبه.ويبقى السؤال مفتوحاً أمام المؤسسات العلمية والثقافية التونسية أين توجد اليوم مخطوطات ابن الجزار؟ وهل نملك قاعدة بيانات وطنية شاملة لتراثه؟ وهل حصل هذا الطبيب القيرواني على المكانة التي يستحقها في الذاكرة العلمية العالمية؟

قد يكون الوقت قد حان لفتح هذا الملف، لا بمنطق استعادة الماضي فقط، وإنما بمنطق استعادة حضور تونس في تاريخ العلم.

اسماء وهاجر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى