
تونس اونيفارنيوز غطّى مشهد التهكّم الذي صدر عن لاعب المنتخب الجزائري محمد الأمين عمورة تجاه أحد المشجعين الكونغوليين—وذلك على هامش كان المغرب—على حدث رياضي يفترض أن يكون محصورًا في التنافس داخل الملعب، ليأخذ أبعادًا رمزية وتاريخية تتجاوز بكثير مجرد لقطة عابرة في المدرجات.
المشجع الكونغولي المستهدف، المعروف باسم كوكا مبولادينغا، ليس وجهًا عابرًا في الملاعب، بل شخصية اعتادت الظهور واقفة طوال زمن المباراة، رافعة يدها اليمنى دون حراك، في تجسيد رمزي متعمّد لشخصية باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء في تاريخ الكونغو وأحد أبرز رموز النضال الإفريقي ضد الاستعمار.
وبصرف النظر عن التقييم الأخلاقي لسلوك اللاعب عمورة، فإن ما حدث لا يمكن اختزاله في سخرية عفوية، لأن المشجع لم يكن يؤدي حركة عبثية أو استعراضية، بل كان يحمل رسالة سياسية وتاريخية واضحة وهي استحضار ذاكرة ضحايا الاستعمار في إفريقيا، أولئك الذين سُلبوا حياتهم وكرامتهم، وحُرموا حتى من حق الدفن اللائق.
كانت تلك الوقفة فعل تذكير مباشر بتاريخ لم يُغلق ملفه بعد، ورفضًا صريحًا لتحويل الجرائم الاستعمارية إلى مجرد صفحات منسية.
المفارقة المؤلمة أن هذا التهكّم صدر عن لاعب ينتمي، في جذوره، إلى الامتداد نفسه لتلك المأساة. فالأجداد الذين يُحيي المشجع الكونغولي ذكراهم هم أجداد اللاعب ذاته، الذين لا تزال جماجم كثير منهم محتجزة في متاحف فرنسا، معروضة كمقتنيات أنثروبولوجية، لا كشهادات دامغة على جريمة إنسانية.
وإذا كانت الجزائر—بلد اللاعب—قد ذهبت إلى حد استصدار قانون يُجرّم الاستعمار الفرنسي، فإن السؤال يصبح مشروعًا: كيف يُسخر من فعل تذكير بنضال مناضلين هم جزء من ذاكرته التاريخية هو نفسه؟
لم تتوقف مظاهر الاستخفاف عند هذا الحد، إذ طالت أيضًا مذيعة قناة الجزيرة خديجة بوقنة، التي بدا عليها الضحك إزاء رمزية حركة المشجع، في استخفاف واضح بأحد أهم رموز التحرر في إفريقيا. وهو أمر لا يستغرب من إعلامية اعتادت—بحسب منتقديها—تبييض الجرائم السياسية، إلى حد تقديم شخصيات متورطة في العنف والإرهاب على أنها “مناضلة”.
أكثر من ذلك، يرى بعض المتابعين أن استحضار صورة باتريس لومومبا على الأراضي المغربية لا يخلو من دلالة سياسية مشفّرة، مفادها أن الكونغو لن تنسى أن المغرب احتضن موبوتو سيسي سيكو، أحد أكثر الطغاة دموية في التاريخ الإفريقي، ومنحه ملاذًا إلى أن وافته المنية…



