منع الهواتف الذكية و”الماكياج : من مربع الضبط الى مربع الحريات….!!؟؟

تونس اونيفارنيوز من جديد، يتجدّد الجدل حول حدود الحريات الفردية داخل الفضاءات المدرسية، على خلفية الإجراءات التي أقرتها إحدى الإعداديات، ومن بينها منع إدخال الهواتف الذكية واستعمال مساحيق التجميل داخل المؤسسة التربوية.
وبصرف النظر عن حق الإدارة في ممارسة سلطتها التقديرية في إطار الضبط الإداري ضمانًا لحسن سير المرفق العام، فإنّ النقاش سرعان ما تحول من مربّعه الإداري والبيداغوجي إلى مربّع حقوقي بامتياز، خاصة بعد إدراج منع الماكياج ضمن نفس الخانة التي وُضع فيها منع الهواتف الذكية.
ففي حين يحظى منع الهواتف الذكية بإجماع واسع من قبل المختصين باعتباره إجراءً ذا سند بيداغوجي واضح للحدّ من التشتّت داخل الفصول، يرى كثيرون أن منع مساحيق التجميل لا يرتبط لا بسير الدروس ولا بالتحصيل العلمي، بل يُنظر إليه كمساس غير مباشر بحرية الفرد في مظهره الشخصي، مهما حاولت الإدارة تبريره بخطاب المساواة أو الانضباط.
هذا التحوّل في زاوية النقاش يكشف في العمق إشكالًا أوسع يتمثل في طبيعة العلاقة بين المؤسسة التربوية والتلميذ، وفي حدود السلطة التقديرية المخوّلة للإدارة في تنظيم الحياة المدرسية. فالمدرسة، وإن كانت مرفقًا عموميًا يخضع لقواعد النظام والانضباط، فإنها تظلّ في الآن ذاته فضاءً اجتماعيًا تُمارَس داخله جملة من الحقوق الفردية التي لا يجوز تقييدها إلا لضرورة واضحة ومبرّرة.
ومن الزاوية البيداغوجية الصرفة، يظلّ الربط بين المظهر الشخصي والتحصيل الدراسي ضعيف الأساس، إذ لا يشكّل في حدّ ذاته عنصر تشويش على العملية التعليمية، ولا يرقى إلى مستوى الإخلال بالنظام العام داخل المؤسسة. وبالتالي فإنّ المنع المطلق في هذا السياق يبدو متجاوزًا للحاجة التربوية الفعلية، حتى وإن تمّ تسويغه بخطاب البساطة أو توحيد المظاهر بين التلاميذ.
إنّ تجاوز منطق “العقل البيداغوجي المتصلّب” والمقاربة الأمنية في معالجة الشأن التربوي يفرض اليوم إخضاع القرارات التنظيمية لمبدأ التناسب بين الإجراء والغاية، حتى لا تتحوّل المدرسة إلى فضاء قابل للاحتقان والنزاعات الحقوقية، كان بالإمكان تفاديها بحسن التقدير، ووضوح التعليل، وحوار تربوي أكثر اتزانًا.



