غير مصنف

واشنطن وطهران بين التهديد والتفاوض…!!!!

تونس -اونيفار نيوز –في لحظات التصعيد الكبرى لا تكون الرسائل العلنية هي الأهم، بل تلك التي تُسرّب بعناية لتصنع مناخاً نفسياً وسياسياً يسبق القرار. خلال الأيام الأخيرة تعمّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب والبيت الأبيض بثّ إشارات متكررة عن جاهزية عسكرية “خلال أيام”، من دون تحديد واضح لما تريده واشنطن بالضبط من طهران. هذا الغموض ليس ارتباكاً في الرؤية، بل جزء من أدوات الضغط. فحين تُبقي الإدارة الأميركية أهدافها النهائية ضبابية، فإنها تدفع الطرف المقابل إلى حساب أسوأ الاحتمالات، وتمنح نفسها هامشاً واسعاً للمناورة بين التفاوض والتصعيد.

المشكلة بين واشنطن وطهران، كما تعكسها التصريحات الأميركية، لم تعد تُختصر في ملف واحد. صحيح أن البرنامج النووي يتصدر المشهد، وأن رفض أي تخصيب إيراني لليورانيوم بات عنواناً معلناً في خطاب الإدارة، إلا أن الصورة أوسع من ذلك بكثير. فواشنطن تنظر إلى إيران بوصفها منظومة نفوذ إقليمي متكاملة: برنامج صاروخي متطور، شبكة تحالفات مسلحة عابرة للحدود، وقدرة على تهديد الممرات الحيوية ومصالح الحلفاء. ومن هذا المنطلق، فإن مطلب “الغاء التخصيب” لا ينفصل عن محاولة أوسع لإعادة تشكيل سلوك إيران الإقليمي، أو على الأقل تقليص أدوات ضغطها.

لكن الإشكالية الجوهرية تكمن في التباعد العميق بين تعريف الطرفين للأمن والسيادة. فإيران تعتبر التخصيب حقاً سيادياً ورمزاً لاستقلال القرار، حتى لو أعلنت أن برنامجها سلمي. أما الولايات المتحدة فترى في استمرار التخصيب إبقاءً لإيران على عتبة القدرة النووية، أي في منطقة رمادية يمكن أن تتحول سريعاً إلى سلاح عند اتخاذ قرار سياسي. هنا يتقاطع البعد التقني بالبعد الرمزي: ما تعتبره طهران حقاً غير قابل للمساومة، تعتبره واشنطن خطاً أحمر استراتيجياً.

في هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الأميركية أقرب إلى “الدبلوماسية تحت ظل التهديد العسكري”. فالحشود الجوية والبحرية في الشرق الأوسط، والحديث عن إمكانية توجيه ضربات لمواقع متعددة، ليست بالضرورة إعلان نية حرب بقدر ما هي محاولة لرفع كلفة الرفض الإيراني.

التاريخ الحديث يبين أن الضربات العسكرية المحدودة قد تؤخر برامج وتسقط بنى تحتية، لكنها نادراً ما تنهي أزمات سياسية عميقة الجذور. فالقدرات التقنية يمكن إعادة بنائها، والمعرفة لا تُقصف، والدوافع السياسية لا تزول بالقوة وحدها. لذلك فإن أي ضربة محتملة ضد منشآت نووية إيرانية قد تحقق هدفاً تكتيكياً بتأخير البرنامج، لكنها قد تدفع في المقابل إلى تسريع مسارات أخرى، سواء عبر العمل بعيداً عن الرقابة أو عبر توسيع دائرة الرد في الإقليم من خلال الحلفاء والوكلاء.

في المقابل، تراهن واشنطن على أن طهران تدرك حدود قدرتها على تحمّل مواجهة شاملة مع قوة عسكرية كبرى، وأن الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزامنة قد تدفعها إلى قبول تسوية بشروط أشد من السابق. إلا أن هذا الرهان يفترض أن القيادة الإيرانية تفضل تخفيف الضغوط على الحفاظ على سقفها السياسي المرتفع، وهو افتراض لا يخلو من المجازفة، لأن أي تنازل كبير قد يُفسر داخلياً كضعف، ويُستثمر خارجياً كتحول استراتيجي.

اللافت أن الإدارة الأميركية تترك ايران بين خيارين: إما اتفاق سريع يعالج جوهر المخاوف النووية، وربما يتضمن قيوداً إضافية على الصواريخ والسلوك الإقليمي، أو تحرك عسكري محدود يهدف إلى إعادة رسم الخطوط الحمراء.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بما تريده الولايات المتحدة من إيران، بل أيضاً بما تستطيع فرضه دون أن تدفع المنطقة إلى انفجار شامل. فالتصعيد المدروس قد يفتح باب صفقة، لكنه قد يفتح أيضاً باب حرب لا يرغب بها أحد علناً. وبين الردع والمواجهة، وبين التهديد والتفاوض، تتحرك واشنطن في مساحة دقيقة تحاول فيها الجمع بين الحزم والبراغماتية. أما طهران، فهي بدورها تحاول الموازنة بين الصمود وعدم الانزلاق إلى معركة مفتوحة.

هكذا يبقى المشهد معلقاً على خيط رفيع: إما أن يتحول الضغط العسكري إلى رافعة تفاوض تنتج تسوية جديدة، أو أن يتحول إلى شرارة تشعل مواجهة تتجاوز الحسابات الأولية. وفي كلتا الحالتين، فإن ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة، بل فصل جديد في صراع طويل حول النفوذ والأمن وتعريف القوة في الشرق الأوسط.

هاجر واسماء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى