أخبار مهمةثقافة

النصيري :حمّام ملاق تحفة جيولوجية ….منسيّة في أعماق الكاف…

.موقع استثنائي في قلب الطبيعة….

تونس -أونيفار نيوز- نتصب حمّام ملاق بمياهه الساخنة على ضفاف وادي ملاق، وسط غابات الصنوبر الحلبي، على بُعد 15 كلم غرب مدينة الكاف التونسية، أو “سيكافينيريا” كما كان يسميها الرومان.

هذا المنبع الحراري الطبيعي يستقطب منذ قرون الزوار من تونس وخارجها للتداوي بمياهه المتدفّقة من بين صخور جبال الكاف، وقد تحوّل إلى أحد أهم المواقع الجيولوجية الغنية في المنطقة حسب ما ورد على لسان أستاذ الحضارة والتاريخ والاثار بولبابة النصيري.

.اسطورة الإمبراطور هادريان…

تتعدّد الروايات التاريخية حول الموقع، لكن أشهرها تروي أنّ الإمبراطور الروماني هادريان – الذي حكم بين 117 و138 ميلادي – توقّف بالمنطقة أثناء زيارته للجيش الروماني ببلاريجيا والنواحي.

ولتكريم هذا الضيف الإمبراطوري، شيد الأهالي حمّامًا فريداً شكّل تحفة معمارية بقبابه وغرفه وأحواضه، التي خُصّصت للرجال والنساء على حدّ سواء، وتنساب فيها المياه الحارة بشكل طبيعي.

.مدينة رومانية كاملة حول الحمّام….

يؤكّد الأستاذ الجامعي والباحث في علم الآثار محمد التليلي أنّ محيط حمّام ملاق كان يضمّ مدينة رومانية متكاملة تعود إلى القرن الثاني الميلادي، وهو ما أثبتته النقوش اللاتينية وأساليب البناء المكتشفة.

ويشير إلى أنّ الحمّام كان مركزًا لممارسات طقوسية، طبية ودينية، داخل قاعات واسعة وقباب وأرضيات رخامية متقنة الصنع.

الطبيب الصامت”: علاج طبيعي عبر القرون…

حملت مياه حمّام ملاق لقب “الطبيب الصامت” لما لها من خصائص علاجية لافتة. فقد أوصى الأطباء القدماء، ومن بينهم الطبيب الشهير سالسيس، مرضاهم – وخاصة جرحى الحرب – بالتداوي بهذه المياه الساخنة.

وكان الزائرون يقيمون فيه لأسابيع، يجمعون بين الطقوس العلاجية والعبادات، ويقدمون القرابين تقربًا من إله الطب، اعتقادًا بقدرة مياه المكان على الشفاء.

ثروة استشفائية تحتاج إلى إحياء….

يرى أستاذ التاريخ والحضارة والآثار بولبابة النصيري أنّ حمّام ملاق يمثل “تراثًا جيولوجيًا وأثريًا استثنائيًا، لكنه مُهمل ومهدّد بالاندثار”.

ويشدّد النصيري على ضرورة إعادة صيانة المعلم بشكل عاجل، وترميم مرافقه، وإعداد مسلك أثري وسياحي يليق بقيمته، معتبرًا أن الموقع قادر – إذا ما أُحسن استثماره – على أن يتحوّل إلى قرية استشفائية دولية تستقطب آلاف الزوار سنويًا.

فحمّام ملاق ليس مجرد منبع للمياه الساخنة، بل هو ذاكرة حضارية كاملة. إنقاذه اليوم واجب ثقافي وسياحي واقتصادي.”

فوائد علاجية معترف بها…

يؤكد مختصون في الصحة أنّ مياه حمّام ملاق من أجود المياه الساخنة الجوفية في تونس، وتملك قدرة على علاج الأمراض الجلدية، الحساسية، أمراض المفاصل، وعدد من المشاكل الصحية الأخرى.

ويُقيم العديد من الزوار خيامهم حول الحمّام طيلة أسابيع أو أشهر للاستفادة من خصائصه الطبيعية الفريدة.

عمق تاريخي يتجاوز ثلاثة آلاف عام….

تُظهر بيانات “الديوان التونسي للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه” أن العلاج بالمياه في تونس يعود إلى 3 آلاف سنة قبل الميلاد.

أما الرومان، فقد قدّسوا المياه واعتنوا بشبكاتها، وشيدوا الحمّامات الكبرى التي كانت تُزيّن بالمنحوتات والتماثيل، وتُعتبر من أهم المنشآت العامة.

دعوة إلى إعادة الاعتبار للموقع…

يرى المشرفون السابقون على حمّام ملاق أنّ هذا الموقع الفريد قادر على أن يصبح قطبًا للاستشفاء الطبيعي لو تم تطويره وفق معايير عالمية. فهو يجمع بين جمال الطبيعة، وثراء التاريخ، وقيمة المياه العلاجية، ما يجعل منه فرصة اقتصادية وسياحية استثنائية للجهة ولتونس ككل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى