
.حماية التراث جزء من السيادة الرمزية للدولة…..
تونس اونيفارنيوز تعيش تونس منذ سنوات على وقع محاولات متكرّرة للمساس بتراثها المادي وغير المادي، في سياق إقليمي ودولي تحوّلت فيه الذاكرة الثقافية إلى مجال تنافس ضمن استراتيجيات القوّة الناعمة. ولم يعد التراث مجرّد موروث رمزي، بل غدا أداة فاعلة تُوظَّف سياسيًا وثقافيًا وسياحيًا، ما يجعل حمايته رهانا سياديًا بامتياز.
وقد أعادت إلى الواجهة هذا الملفّ الحسّاس واقعةُ عرض أحد الألبسة التقليدية التونسية في متحف تابع لإحدى الدول المغاربية، مع تقديمه بوصفه جزءًا من تراثها الوطني، في تجاهل واضح لمرجعيات تاريخية موثّقة تؤكّد انتماءه للذاكرة التونسية. وهي حادثة لا يمكن اعتبارها معزولة، بل تندرج ضمن مسار أوسع من الالتباس المتعمّد الذي يستهدف عناصر تبدو مشتركة ظاهريًا، لكنها تحمل خصوصيات محلية واضحة.
هذا الواقع بكشف هشاشة المقاربة المعتمدة في التعاطي مع التراث الوطني، حين يُختزل في احتفالات ظرفية وعروض فولكلورية، دون إسناده بسياسات استباقية قائمة على التوثيق العلمي والحماية القانونية. فالاعتراف الدولي لا يُبنى على النوايا، بل على ملفات دقيقة ودراسات مرجعية معتمدة.
.التعجيل بترسيم عدد من الأزياء ….
في هذا السياق، تبرز أهمية الدعوة التي أطلقها سفير اللباس التقليدي التونسي سفيان بن قمرة، إلى التعجيل بترسيم عدد من الأزياء التقليدية لدى منظمة اليونسكو، وعلى رأسها الجبة الرجالية التونسية واللباس التقليدي لولاية المهدية، باعتبارهما من أبرز تعبيرات الخصوصية الحضارية التونسية في الفضاءين المغاربي والمتوسطي.
فالجبة الرجالية التونسية ليست مجرّد لباس تقليدي، بل خلاصة قرون من التفاعل الحضاري والاجتماعي، تشكّلت عبر تعاقب حضارات متعدّدة، واستقرّت كلباس رسمي يرافق المناسبات الدينية والوطنية، بما تحمله من رمزية وهوية. أمّا اللباس التقليدي لولاية المهدية، فيجسّد خصوصية الذاكرة الساحلية، ويعكس تاريخ المدينة ودورها المحوري في الفضاء المتوسطي، من خلال خاماته وألوانه وحرفيّته الدقيقة.
إنّ تكرار مثل هذه الوقائع يفرض بالضرورة الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي، عبر تركيز استراتيجية وطنية متكاملة لحماية التراث، تقوم على الجرد العلمي، والتوثيق الأكاديمي، وإعداد ملفات تُودَع لدى الهيئات الدولية المختصّة، مع إشراك الحرفيين والباحثين والمجتمع المدني بوصفهم حَمَلة هذا الموروث.
ما هو مؤكد ان حماية التراث ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزء لا يتجزّأ من حماية السيادة الرمزية للدولة، خاصة في زمن تحوّلت فيه الأزياء والعادات إلى أدوات تنافس وصور دعائية. والبلد الذي لا يوثّق تراثه ويثبّت نسبه، يترك المجال مفتوحًا لغيره كي يعيد كتابة قصته وتوظيف رموزه.
للتذكير فان أستاذ الحضارة والاثار بولبابة النصيري كان قد دعا السلطات التونسية إلى التعجيل من اجل تفعيل مطلب ترسيم قرية سيدي بو سعيد باليوناسكو لأن المعارك باليوناسكو تحسم في اروقتها وليس في جلساتها….



