أستاذ التاريخ والاثار و الحضارة بولبابة النصيري:جماجم بسلقطة….عندما تنصف الطبيعة التاريخ….

تونس اونيفارنيوز عندما ينتفض التاريخ لينصف نفسه، وتتكفّل الطبيعة بكشف ما طُمِس عمدًا أو أُهمِل طويلاً، تعود سلقطة إلى الواجهة بوصفها شاهدًا حيًّا على بدايات الحضارة في هذا الجزء من المتوسط كان هذا تعليق أستاذ التاريخ و الحضارة والاثار بولبابة النصيري على خلفية بروز جماجم أثر العاصفة الأخيرة.
حيث اكد الاستاذ بولبابة النصيري في مناسبات سابقة أن سلقطة ليست موقعًا هامشيًا، بل بداية ونهاية في مسار تشكّل قرطاج، غير أن هذا الطرح وُوجه بالتشكيك، بل وصِف أحيانًا بالشعبوية رغم استبساله في الدفاع عن مواقع سلقطة وقصور الساف تحتضن مفاتيح أساسية لفهم التاريخ القرطاجي المبكر، لكن تلك الإشارات لم تُؤخذ بالجدية التي تستحقها.
اليوم، يبدو أن الطبيعة والتاريخ قد قالا كلمتهما معًا.
فما كُشف عنه مؤخرًا—جمجمة بشرية مرفقة بخوذة، لم يُحسم بعد إن كانت مصنوعة من الحديد أو البرونز—ليس تفصيلاً عابرًا. فإن كانت من الحديد، فهي على الأرجح تعود إلى جندي، وإن كانت من البرونز، فذلك يُرجّح أنها لقائد عسكري. وفي كلتا الحالتين، فإن هذا الاكتشاف يُشير بوضوح إلى أن معركة ما قد دارت في هذا الموضع، وهو ما يعيد فتح أسئلة كبرى حول طبيعة الصراعات التي شهدتها المنطقة.
أهل سلقطة هم شعب قرطاج الأول، ومن هذه الأرض خرجت إحدى أعظم الحضارات في التاريخ. وقد شهدت هذه المدينة العتيقة أولى مراحل تأسيس قرطاج. اعتنق سكان سلقطة الديانة القرطاجية منذ بداياتها قبل الميلاد، وظلوا عليها إلى أوائل القرن الثاني بعد الميلاد، قبل أن يعتنقوا الديانة المسيحية.
وبأمر إمبراطوري، تصدت السلطة الحاكمة آنذاك بشدة لانتشار هذا الدين الجديد، فتعرض معتنقوه لاضطهاد قاسٍ، بلغ حد المجازر، التي ما زال مسرح الجم شاهدًا على فظاعتها.
في تلك المرحلة، لجأ المسيحيون الأوائل في سلقطة إلى تشييد المدافن المعروفة بـ الدواميس (جمع داموس)، وهي ما يُعرف بالـ Catacombes، لاختبائهم وممارسة شعائرهم الدينية بعيدًا عن أعين السلطة. وقد كان هذا الأسلوب متبعًا في عدة مناطق من حوض البحر المتوسط الخاضعة للإمبراطورية الرومانية، مثل الأناضول وبلاد الشام ومصر.
وتُعد المدافن المعروفة اليوم بغار الضبعة ثالث أهم المدافن من حيث القيمة التاريخية، بعد مدافن سوسة وقرقنة، وتحتوي على بقايا كنيسة جميلة ذات محراب. ويتكوّن هذا المدفن الضخم من عدة أروقة داخل أنفاق تحت الأرض، لا يتجاوز عرض الواحد منها ثلاثة أمتار، فيما يتراوح ارتفاعها بين مترين ومترين ونصف. وتضم جدرانها تجويفات محفورة لوضع الجثامين لمختلف الأعمار، ثم تُغلق بألواح حجرية تُثبت بالجبس.
وتروي بعض الأساطير المتداولة أن هذا الداموس كان مرتبطًا بقصر الجم. وتُقدّر المسافة بين مدينة المهدية وسلقطة بنحو 12 كيلومترًا، وبين الدواميس والقصر قرابة 30 كيلومترًا غربًا، وهو القصر المعروف بقصر الكاهنة البربرية، التي حاصرها فيه حسان بن النعمان عند دخول المسلمين إلى تونس. ولطول مدة الحصار، يُقال إنها حفرت سرًا نفقًا طويلًا في الصخر يصل إلى مدينة سلقطة، كانت تمر عبره الخيول، ويُنقل من خلاله الطعام إليها.



