أكثر من 100 ألف تلميذ يغادرون مقاعد الدراسة سنويا…

تُونس -أونيفار نيوز – تواجه المنظومة التربوية في تونس أزمة هيكلية متصاعدة كشف عنها المختص في علم الاجتماع هادي دحمان، مع تسجيل مغادرة قرابة 100 ألف تلميذ لمقاعد الدراسة سنويًا، وهو ما يعكس انفصالًا متزايدًا بين المدرسة ومتطلبات العصر وسوق الشغل.
ولم يعد هذا النزيف التربوي مقتصرًا على ثغرات المناهج فحسب، بل يمتد ليشمل أساليب التدريس، وتنظيم الزمن المدرسي، وواقع الفضاءات التعليمية، وآليات التوجيه والتقييم التي باتت بعيدة عن المعايير الدولية والاحتياجات المجتمعية الراهنة.
تتمثل جوهر المعضلة في استمرار اعتماد أسلوب التلقين التقليدي ونقل المعرفة الجاهزة في زمن أتاحت فيه الثورة الرقمية مصادر غير محدودة للمعلومة، مما يحتم تحويل التحدي التربوي من مجرد “إيصال المحتوى” إلى إكساب التلميذ مهارات البحث والتحليل والنقد العلمي.
ويقتضي هذا التحول إعادة تعريف دور المعلم ليتحول من ملقن إلى ميسر ومحفز، إلى جانب مراجعة فلسفة التقييم القائمة حصرًا على الأعداد والامتحانات المكثفة.
ويبرز هنا مقترح التقييم التراكمي والمستمر الذي يزاوج بين القياس الكمي والتقييم النوعي، لا سيما وأن نتائج محطات مصيرية مثل البكالوريا لا تعكس دائمًا الكفاءة الحقيقية للتلميذ بقدر ما ترتبط بفرص التوجيه المتاحة وطاقة استيعاب الجامعات.
هذا العجز في المنظومة دفع العائلات نحو ما يمكن تسميته “الاستثمار في التعليم الموازي” عبر الدروس الخصوصية وساعات التدارك، مدفوعة بهاجس الخوف على مستقبل الأبناء والإيمان المتوارث بأن الشهادة المدرسية هي المصعد الاجتماعي الوحيد. وتستوجب معالجة هذه الظاهرة المركبة، إلى جانب تحديث المدرسة العمومية، فتح مسارات تكوين مهني وعصري تكون بديلًا حقيقيًا وناجعًا للمنقطعين، مع إخضاع مراكز التكوين لمتابعة وتقييم دوري يضمن مواكبتها للمهن الجديدة ويساهم في كسر حلقة التسرب المدرسي.



