هل يتم التمديد للرئيس الأوّل للمحكمة الإدارية …؟؟؟!!

تونس اونيفارنيوز مع نهاية شهر فيفري، يعود الجدل إلى كواليس العدالة بشأن إمكانية التمديد لعبد السلام المهدي قريصيعة، الرئيس الأوّل للمحكمة الإدارية، بعد بلوغه السنّ القانونية للتقاعد.
ويثير هذا الملف نقاشًا قانونيًا دقيقًا يتجاوز شخص المعني بالأمر، ليمسّ جوهر العلاقة بين تنظيم السلطة القضائية ومبدأ استقلالها.
فالخلاف القائم لا يقتصر على قراءة تقنية للنصوص، بل يكشف عن تداخل معقّد بين منطق الاستثناء الإداري ومتطلبات استقلال القضاء وتجديد هياكله. إذ ينظّم القانون الأساسي للقضاة سنّ الإحالة على التقاعد وإجراءات إنهاء المباشرة، ويُدرج التمديد ضمن أحكام استثنائية لا تُعدّ أصلًا في المسار المهني للقاضي. فالأصل هو انتهاء المهام عند بلوغ السنّ القانونية المحدّدة حاليًا بـ62 سنة، مع إمكانية إقرار استثناءات محدودة ومؤطرة بنصوص خاصة. وعليه، لا يُعدّ التمديد حقًا مكتسبًا، بل رخصة استثنائية مشروطة بقرار صادر عن سلطة مختصّة.
ويكتسي النقاش بعدًا إضافيًا بالنظر إلى طبيعة منصب الرئيس الأوّل للمحكمة الإدارية، الذي يتمّ تعيينه بقرار صادر عن السلطة التنفيذية. فهذا المنصب لا يندرج ضمن ترقية آلية داخل السلك القضائي، بل يخضع لمسار تعيين حكومي أو رئاسي، ما يجعل مسألة التمديد في مباشرته متّصلة، من حيث الواقع القانوني، بالإرادة التنفيذية. ووفق الممارسات السابقة، يمرّ أي إجراء للتمديد عادة عبر وزير العدل الذي يرفع مقترحًا إلى الجهة المختصة باتخاذ القرار النهائي، سواء كانت رئاسة الحكومة سابقًا أو رئاسة الجمهورية في الإطار الدستوري الحالي.
غير أنّ هذا المسار، وإن كان يجد له سندًا في النصوص، يواجه رفضًا مبدئيًا من عدد من الهياكل القضائية التي تعتبر التمديد بعد سنّ التقاعد مساسًا باستقلال القاضي وحياده، باعتبار أنّ استمرار مباشرته يصبح مرتبطًا بإرادة سلطة تملك قرار الإنهاء أو الإبقاء. وترى هذه الهياكل أنّ التقاعد ليس مجرد إجراء إداري، بل آلية من آليات التوازن داخل القضاء، تضمن تجديد القيادات وفتح المجال أمام الكفاءات الصاعدة، وتحدّ من تركّز النفوذ في مواقع حساسة.
ويتضاعف هذا التحفّظ عندما يتعلّق الأمر بالتمديد الانتقائي، أي منح استثناءات فردية لأشخاص معيّنين دون سواهم. إذ تميّز الهياكل القضائية بوضوح بين الترفيع التشريعي العام في سنّ التقاعد، الذي يشمل فئة مهنية بأكملها ويُقرّ عبر مسار تشريعي شفاف، وبين التمديد الفردي الذي يُنظر إليه كآلية قد تُفضي إلى ربط المناصب العليا باعتبارات غير قضائية.
في ضوء ذلك، تظلّ إمكانية التمديد للرئيس الأوّل للمحكمة الإدارية رهينة تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات القانون ومبدأ الفصل بين السلط، والحفاظ على “مسافة الأمان” بين السلطة التنفيذية واستقلال القضاء….!!
اسماء وهاجر



