اتحاد الشغل: مخاض المؤتمر الحاسم او “الفرصة الاخيرة”….

تونس اونيفارنيوز يقف اتحاد الشغل اليوم أمام منعطف تاريخي لا يحتمل التأجيل ولا أنصاف الحلول. فالمؤتمر القادم لا يبدو مجرد موعد تنظيمي عابر لتجديد الهياكل أو إعادة توزيع المواقع، بل يمثل لحظة فاصلة تمسّ جوهر المنظمة ودورها في الحياة الوطنية. إنه مؤتمر الحسم إما أن ينجح في إطلاق مسار تجديد عميق يعيد إلى الاتحاد وهجه وقدرته على التأثير والتعبئة، وإما أن ينزلق نحو مزيد من التراجع والتهميش .
لقد واجه الاتحاد خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التحديات المعقدة والمتشابكة. ولم تقتصر هذه التحديات على الضغوط الخارجية أو تغيير موازين القوى في البلاد، بل شملت أيضاً تراجعاً تدريجياً في رصيده الرمزي لدى شرائح واسعة من الشباب والفئات الاجتماعية الجديدة، التي لم تعد ترى في الخطاب النقابي التقليدي ما يعبّر عن تطلعاتها أو يستجيب لتحوّلات واقع الشغل. كما أن تغيّر قواعد اللعبة السياسية عمّق من عزلة المنظمة، وجعل أدواتها الكلاسيكية في الضغط والتفاوض أقل فاعلية في مواجهة أزمات اقتصادية واجتماعية باتت أكثر تعقيداً وتشابكاً.
من هنا، يصبح المؤتمر المنتظر اختباراً حقيقياً لقدرة القيادات النقابية على مراجعة الذات بجرأة، والتحرر من الحسابات الضيقة، والانفتاح على تصورات جديدة تواكب انتظارات جيل مختلف من الشغالين؛ جيل لم يعد يجد في البيروقراطية النقابية إطاراً جاذباً أو ملاذاً طبيعياً للدفاع عن مصالحه. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على تغيير الوجوه أو ضخ دماء جديدة في المواقع القيادية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء المشروع النقابي نفسه، على أسس أكثر حداثة وفاعلية وارتباطاً بأسئلة المرحلة.
إن الخطر الحقيقي الذي يهدد “منظمة حشاد” لا ينبع فقط من التضييقات السياسية أو من تراجع هامش التأثير في القرار الوطني، بل أيضاً من حالة الترهل التنظيمي، والانقسامات المتصلة بمسائل الشرعية، والجدل حول القوانين الأساسية، كلها عوامل أضعفت وحدة الصف وأربكت صورة الاتحاد في الداخل والخارج. لذلك فإن أي حديث عن الإنقاذ لا يمكن أن يكون جدياً ما لم ينطلق من مصالحة داخلية واسعة، ومن إرادة صادقة لتجاوز منطق المحاور والأشخاص نحو منطق المؤسسة والمشروع.
ولعل ما تحتاجه المنظمة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو الانتقال من موقع رد الفعل والاحتجاج إلى موقع الشريك الاستراتيجي القادر على تقديم بدائل واقعية وحلول قابلة للتنفيذ. فالاتحاد، بحكم تاريخه ورمزيته وامتداده الاجتماعي، لا يُنتظر منه فقط أن يدافع عن الحقوق المادية للشغالين، بل أن يساهم أيضاً في صياغة رؤية وطنية متوازنة تجمع بين العدالة الاجتماعية ومتطلبات استقرار الدولة وإنقاذ الاقتصاد.
فإذا أخفق المؤتمر في إنتاج هذا التحول، وفي بلورة خطاب عقلاني ومسؤول يوفق بين الدفاع عن الحقوق والوعي بحجم التحديات الوطنية، فإن الاتحاد يواجه خطر فقدان ما تبقى من حصانته الشعبية ومكانته المعنوية. والاندثار هنا لا يعني الزوال المادي أو الاختفاء التنظيمي، بل التحول إلى هيكل فاقد للمبادرة والتأثير، حاضر بالاسم وغائب بالفعل. وذلك هو السيناريو الأخطر، لا على المنظمة وحدها، بل على التوازن الوطني برمّته.
إن المرحلة الراهنة تفرض على النقابيين الارتفاع إلى مستوى اللحظة التاريخية، وتغليب مصلحة الاتحاد والوطن على حسابات الأشخاص والمواقع. فالتاريخ لا يفتح أبوابه كثيراً أمام الفرص المصيرية، وما يبدو اليوم فرصة أخيرة قد لا يتكرر .
اسماء وهاجر



