أخبار مهمة

عندما تُفرغ حقوق المؤلف من مضمونها….؟؟!!

تونس اونيفارنيوز ما يحدث اليوم مع “المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة” يمثل انزلاقاً خطيراً طبقا لما اثاره الكاتب والناشط السياسي “انس الشابي “في رسالته التي توجه بها لوزيرة الثقافة والتي كشف من خلالها أن البيروقراطية لم تعد مجرد خلل إداري عابر، بل تحوّلت إلى ممارسة تنتقص من قيمة المثقف وتمسّ مكانته.

هذا الانزلاق يتجلى في اعتماد “مؤسسة حقوق التاليف” تصنيفات تُدرج الكتّاب ضمن خانة “الأعوان”: عون عمومي، متقاعد، أو غير عمومي. وهو تصنيف لا يختزل فقط مسارات فكرية ممتدة، بل يسيء أيضاً إلى رمزية أسماء أسهمت في تشكيل الذاكرة الثقافية الوطنية. فليس من المقبول أن يُختصر مفكر أو مؤرخ أو أديب في صفة إدارية عابرة، لأن في ذلك دلالة على خلل عميق في تقدير الثقافة وأهلها.

اكثر من ذلك مطالبة الكتّاب بتوقيع عقود بعد أشهر من نشر أعمالهم تُفرغ العملية التعاقدية من معناها. فالأصل أن يُبرم العقد قبل الإنجاز، لا بعده، حتى تكون المكافأة نتيجة اتفاق واضح، لا حقاً مؤجلاً يُربط بشروط لاحقة. فرض عقود بأثر رجعي يفتقر إلى السند القانوني والانسجام الأخلاقي.

وتتعمق الكارثة حين تتضمن بعض العقود بنوداً تفرض على الكاتب ما يشبه الانضباط الوظيفي، من انسجام وكتمان وعدم تشويش، في خلط واضح بين العلاقة الإبداعية والتبعية الإدارية. فصلة الكاتب بالمجلة تنتهي عند حدود النص المنشور، ولا يمكن تحويلها إلى علاقة خضوع تمنح الإدارة سلطة رقابية على المثقف.

ان الإبداع بطبيعته مستقل، ولا يُدار بمنطق التعليمات.

أما اشتراط وثائق مثل “الرخصة الثقافية”، إلى جانب طلب متكرر لوثائق إدارية متوفرة سلفاً، فيعكس توجهاً نحو التعقيد أكثر مما يعكس حرصاً على التنظيم. وكأن الكتابة أصبحت نشاطاً يحتاج إلى إذن مسبق، لا فعلاً فكرياً حراً.

ان الكتابة لم تكن يوما  إجراءً إدارياً أو معاملة ورقية، بل التزاماً أخلاقياً تجاه الذاكرة الوطنية. وعلى امتداد عقود من التعامل مع المؤسسات الثقافية، ظلّت العلاقة بين الكاتب والمؤسسة قائمة على الثقة وكلمة الشرف، حيث تُصان كرامة المبدع بعيداً عن التعقيدات المهينة والبيروقراطية الجوفاء.

حول هذه التجاوزات اعتبر الاستاذ نسيم السعداوي ان العقد المبرم بين المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والكتّاب يطرح مفارقة لافتة؛ فالمؤسسة التي أُنشئت لحماية حقوق المبدعين تبدو، من خلال هذا العقد، وكأنها تسلبهم تلك الحقوق عبر صياغة قانونية ملتوية.

إذ تمّ توصيف العلاقة على أنها “تأجير لأعمال خصوصية” بدل اعتبارها عقد نشر، مع إخضاعها لأمر إداري لا لقانون حقوق المؤلف، وهو ما يُفرغ العلاقة من إطارها القانوني الطبيعي.

أول أوجه الخلل يتمثل في سوء تطبيق الأمر عدد 724 لسنة 2024، الذي ينظم اللجوء العرضي إلى خدمات الأعوان في التظاهرات الثقافية. غير أن كتابة مقالات دورية على امتداد سنة كاملة تمثل عملاً منتظماً لا عرضياً، مما يجعل إسناد هذا العقد لذلك الأمر تكييفاً قانونياً غير سليم، خاصة وأن النص المذكور لا ينطبق على نشاط تحريري مستمر.

أما من جهة الحقوق الأدبية، فإن العقد يمسّ مباشرة بحقوق المؤلف غير القابلة للتنازل. فاحتفاظ المجلة بالمحتوى لمدة محددة دون تمكين الكاتب من سحبه يتعارض مع القانون عدد 36 لسنة 1994، كما أن منح هيئة التحرير سلطة تعديل النصوص يمسّ بسلامة المصنف، وهو حق أصيل للمؤلف لا يجوز المساس به دون موافقته.

اختلال آخر بارز يتمثل في منح الإدارة صلاحية فسخ العقد بصفة انفرادية ودون إعلام مسبق، وهو ما يتنافى مع القواعد العامة لمجلة الالتزامات والعقود التي تشترط التوازن بين الأطراف وتقييد الفسخ بضوابط قانونية، لا بسلطة تقديرية مطلقة لطرف واحد.

كما يتضح أن العقد، رغم نفيه لصفة عقد الشغل، يتضمن عناصر التبعية القانونية التي تميّز هذه العلاقة، مثل الالتزام بالحضور والانضباط والمشاركة في أنشطة تفرضها الإدارة. وهو ما يشير إلى محاولة تكييف علاقة شغلية حقيقية في شكل تأجير خصوصي، تفادياً للالتزامات الاجتماعية والقانونية المحمولة على المشغّل.

ومن بين البنود المجحفة أيضاً تحميل الكاتب مصاريف التسجيل، رغم أن المؤسسة هي المستفيد الأساسي من العقد، وهو ما يخالف مبادئ العدالة التعاقدية.

من ناحية أخرى يعاني العقد من نقائص شكلية وجوهرية، أبرزها غياب الجدول المالي وعدم تحديد المقابل بوضوح، إلى جانب نقص البيانات الأساسية وتاريخ الإبرام، مما يمسّ بأركان العقد ويجعل محلّه غير محدد و عليه يمكن القول ان ما وقع هو استبدال قانون حقوق المؤلف، بنظام لا يضمن للمؤلف حقوقه في استغلال مصنفه وعوائده، وهو ما يمثل انحرافاً واضحاً عن الغاية الأصلية للعلاقة التعاقدية.

ان كل هذه القرائن القوية المنضبطة والمتظافرة تصب في اتجاه واحد: تحميل الكاتب الالتزامات مقابل تجريده من الضمانات القانونية. والأخطر أن هذه الممارسات صادرة عن مؤسسة يفترض أن تكون حامية لحقوق المؤلف….

اسماء وهاجر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى