المنتخب التونسي: أزمة نتائج أم منظومة؟

وصف الكاتب محمد العماري أداء المنتخب التونسي بالمخجل في المونديال امام منتخب السويد، والهزائم الثقيلة التي يتعرض لها في السنوات الأخيرة العديد من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لهذا التراجع. فكيف لمنتخب تأهل إلى كأس عديد المرات في تاريخه أن يظهر بهذا المستوى الباهت والعاجز عن مجاراة منافسيه؟ وكيف بقيت الأخطاء نفسها تتكرر جيلاً بعد جيل دون أن نشهد تطورًا حقيقيًا في الأداء أو المنظومة الكروية؟
إن ما يقدمه المنتخب اليوم لا يعكس تاريخ مشاركاته العالمية، بل يكشف عن أزمة أعمق من مجرد نتائج سلبية أو هزائم عابرة _استنادا لنفس المصدر _.
ورغم أن المنتخب التونسي سجل حضوره في نهائيات كأس العالم ست مرات، فإن هذه المشاركات المتكررة لم تتحول إلى رصيد حقيقي من الخبرة والتطور، كما حدث مع منتخبات أخرى استطاعت استثمار تجاربها الدولية لبناء مشروع كروي ناجح.
فالمغرب، على سبيل المثال، لم يكتفِ بالمشاركة في المونديال، بل عمل على تطوير بنيته الكروية واستقطاب أفضل مواهبه، ليصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. أما كرواتيا، الدولة الصغيرة من حيث عدد السكان، فقد نجحت في الوصول إلى نهائي كأس العالم سنة 2018 ثم احتلت المركز الثالث في نسخة 2022 بفضل العمل المتواصل والاستقرار الفني والتخطيط طويل المدى.
في المقابل، ظل المنتخب التونسي يدور في الحلقة نفسها، يكرر الأخطاء ذاتها من مشاركة إلى أخرى، دون أن يحقق تطورًا ملموسًا في الأداء أو النتائج. فالمشكلة ليست في قلة المشاركات أو نقص الخبرة الدولية، بل في العجز عن تحويل تلك المشاركات إلى مكاسب فنية ومؤسساتية تدفع بالمنتخب إلى مستويات أعلى من التنافسية.
لعل أكبر خطأ ارتكبه المدرب صبري اللموشي، كان قبوله قيادة المنتخب قبل ستة أشهر فقط من انطلاق كأس العالم، خاصة أنه كان على دراية تامة بحقيقة مستوى الفريق بعد أن عاين بنفسه الأداء المتواضع في كأس العرب بقطر، ثم الظهور المخيب في كأس إفريقيا بالمغرب.
إن الهزيمة القاسية أمام السويد لن تمر دون تبعات، بل قد تلقي بظلالها على بقية المباريات وتؤدي إلى نتائج أكثر قسوة، تمامًا كما حدث في الهزيمة الثقيلة أمام بلجيكا. فالمنتخب، بالمستوى الذي ظهر به في هاتين المباراتين، أصبح مكشوفًا أمام منافسيه: إذ يفتقر إلى القدرة على تصحيح أخطائه والاستفادة منها، كما يفتقد إلى المرونة التكتيكية والخطط البديلة التي تُمكّنه من التكيف مع مجريات المباريات المختلفة.
ومع ذلك، فإن الحل لا يكمن في معاقبة اللاعبين أو تحميل المدرب وحده مسؤولية الإخفاق، بل في معالجة أصل المشكلة.
فالأزمة الحقيقية تكمن في الجامعة التونسية لكرة القدم، التي تعاني منذ سنوات من اختلالات هيكلية وإدارية واضحة. لذلك فإن المطلوب هو محاسبة المسؤولين عن هذا التراجع وإعادة بناء مؤسسة كروية حديثة تقوم على الكفاءة والخبرة وروح المسؤولية الوطنية.
لقد اعتادت الجامعة على تحميل المدربين مسؤولية الفشل وإقالتهم عند كل انتكاسة، بدل معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة. ولو كانت هناك رؤية وطنية واضحة، لتمكنت من استقطاب العديد من أبناء الجالية التونسية في الخارج الذين ينشطون بمستويات عالية في أندية أوروبية محترمة.
ويُعد ياسين العياري مثالاً واضحاً على ذلك. فهذا اللاعب الذي افتتح التسجيل واختتم المباراة بالهدف الخامس كان من الممكن أن يكون ضمن صفوف المنتخب الوطني لا أن يتألق في مواجهته. وهذه الحالة ليست سوى مثال من بين مواهب عديدة خسرتها الكرة التونسية بسبب ضعف المتابعة وغياب التخطيط السليم.
وفي النهاية، فإن ما يعيشه المنتخب التونسي اليوم ليس مجرد أزمة نتائج، بل أزمة منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة جذرية وشجاعة، لأن استمرار النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإخفاقات، مهما تغيرت الأسماء وتعاقب المدربون.



