أخبار مهمة

القاضي الطاهر بن تركية: سن “مجلة لحماية كبار السن” ضروري….!!؟

تونس اونيفارنيوز يتواصل السجال فيما يتعلق بمحاكمة كبار السن في علاقة بإيقافهم سواء في إطار الاحتفاظ garde à vue أو الإيقاف التحفظي détention préventive بموجب إصدار بطاقة ايداع mandat de dépôt .في هذا الإطار اعتبر القاضي الطاهر بن تركية ان الاشكال الذي يطرح هو مدى اعتراف السياسة الجزائية للدولة بـ “وهن الشيخوخة faiblesse de la vieillesse ” كعامل يستوجب معاملة إجرائية وعقابية خاصة كما يُعامل الأطفال الجانحين délinquance juvénile الذين ينفردون بإجراءات مخصوصة بداية ونهاية…؟؟!!

تبدو المنظومة القانونية التونسية متخلفة في هذا المجال حيث لا توجد “مجلة لحماية كبار السن” على غرار “مجلة حماية الطفل”، ولا تُفرد مجلة الإجراءات الجزائية وكذلك المجلة الجزائية أحكاماً خاصة بالبحث والمحاكمة والعقاب على أساس السن المتقدم، باستثناء قانون خاص وهو “قانون حماية المسنين لسنة 1994” الذي يتسم بصبغة اجتماعية وصحية لا غير، أو بعض البدائل العامة في إطار السراح الشرطي والجبر بالسجن.

في المقابل، قطع القانون المقارن الغربي وحتى العربي أشواطاً في منح كبار السن “خصوصية قانونية”، تتوزع بين الخصوصية الإجرائية والخصوصية العقابية.
حيث لا يعامل المسن ​في التشريعات المقارنة، لا كمتهم عادي نظراً لظروفه الصحية والنفسية اذا يتم حظر أو تقييد الإيقاف التحفظي (الحبس الاحتياطي) في القانون المصري والفرنسي، يتجه التشريع إلى تجنب إيداع المتهم المسن (غالباً فوق 65 أو 70 سنة) السجن الاحتياطي إلا في جرائم شديدة الخطورة، والاستعاضة عنه بـ الوضع تحت المراقبة القضائية أو الإقامة الجبرية المنزلية، تقديراً لعدم قدرته على تحمل ظروف الإيقاف
اكثر من ذلك تفرض بعض القوانين (مثل التشريع الإيطالي) إحاطة المتهم- المسن بضمانات طبية ونفسية أثناء استنطاقه للتأكد من أن “الخرف الشيخوخي” أو “وهن الإدراك” لم يؤثر على إرادته أو أقواله، واعتبرت ذلك وجهاً من أوجه توفير المحاكمة العادلة.

​هنا تظهر الفجوة بين القانون التونسي والقانون المقارن، حيث تُخفف العقوبات وتُبدل بناءً على السن الذي يعتبر كعذر قانوني مخفف- ​من ذلك القانون الإيطالي يمنع فرض عقوبة السجن المؤبد على من تجاوز السبعين من عمره في بعض الحالات، ويستبدلها بعقوبة محددة المدة.
القانون الإسباني كذلك يعتبر ان بلوغ سن السبعين ظرفاً قضائياً مخففاً يمنح القاضي سلطة النزول بالعقوبة إلى حدها الأدنى أو استبدالها.
​كما يوجد بدائل السجن وإلغاء العقوبات السالبة للحرية وتفعيل ​السجن المنزلي (Home Arrest)
في القانون الإيطالي وكذلك المصري، يُسمح للمحكوم عليه الذي تجاوز 70 سنة بقضاء عقوبته في منزله أو في مأوى خاص بالمسنين تحت الرقابة، طالما لم تكن الجريمة جناية خطيرة.
​قانون رعاية كبار السن السعودي (الحديث) نص بدوره صراحة على توفير معاملة خاصة للمسن في دور التوقيف والسجون، وأتاح بدائل تراعى فيها حالته الصحية.
​هناك كذلك الية إرجاء تنفيذ العقوبة أو الإفراج الصحي المستمر حيث ​في ، يُمنح السجناء الطاعنون في السن في فرنسا إفراجاً مشروطاً لأسباب صحية (Suspension de peine pour raison médicale) دون التقيد بمدة العقوبة المقضاة، بمجرد إثبات أن الحالة الصحية والبدنية للمسن لا تتماشى مع البقاء في بيئة السجن.
وهنا يجب التنويه بأن الغاية من منح خصوصية لكبار السن في القانون الجزائي تنطلق من أن “أهداف العقوبة” هو الردع العام والخاص وإعادة التأهيل والادماج في حضيرة المجتمع الشيء الذي يفقد معناه ومؤداه مع وهن الشيخوخة.
هذا يعني أن الردع لا يتحقق مع جسد عليل، وإعادة التأهيل غير منطقية لشخص في أواخر حياته.
تونس، رغم ريادتها في مجالات حقوقية عديدة، ما زالت تعتمد مقاربة “تقليدية” بدون روح في هذا الصدد، حيث أن إيجاد توازن بين متطلبات إنفاذ القانون وسير العدالة دون إفراد نصوص خاصة ملزمة تحمي “الجسد المسن” من قسوة المنظومة الإجرائية والسجنية تجعل النظام القانوني ككل معيبا وجب إصلاحه.
​وبرغم تواتر الدراسات الحقوقية في هذا المجال، فإن الإشكال في تونس يكمن في بطئ نسق إصلاح مجلة الإجراءات الجزائية وكذلك المجلة الجزائية بما يتماشى والمعايير الدولية وخصوصا ما تنادي به مدرسة الدفاع الاجتماعي..

وتظل المقاربة القضائية الحالية تعتمد على “الاجتهاد الإنساني” الفردي للقضاة عند تقدير الحالة الصحية للمسن الموقوف، بانتظار تبني المشرّع لـ “مجلة جزائية للمسنين” تماثل النقلة النوعية التي أحدثتها مجلة حماية الطفل الصادرة سنة 1995 و عليه دعا القاضي بن تركية الى ضرورة إيلاء المسألة العناية الكبرى…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى