النفط الليبي في مرمى الفوضى…

تونس -أونيفار نيوز –يشهد قطاع الطاقة في ليبيا تحولاً فارق في طبيعة المخاطر التي تهدده؛ فبعد سنوات من الاقتصار على الاحتجاجات، وقطع الطرق، وإغلاق الحقول لأسباب سياسية، انتقل الخطر إلى مرحلة أكثر شراسة وجرأة تتمثل في الاستهداف المباشر للبنية التحتية الحيوية للإنتاج والتكرير والتوزيع.
تتجلى هذه النقلة الخطيرة في الهجمات المتكررة بواسطة الطائرات المسيرة التي طالت منشآت نفطية في مدينة الزاوية، مما دفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى، والتحذير من الوصول إلى فرض “القوة القاهرة” وتوقف المصفاة بالكامل، وهو إجراء يعكس حجم الفجوة الأمنية ويمس قلب منظومة الإمدادات المحلية والدولية.
تكتسب مصفاة الزاوية أهمية استراتيجية استثنائية؛ إذ تقع على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتعد أكبر مصفاة عاملة في البلاد بطاقة تكريرية تصل إلى 120 ألف برميل يومياً، لا سيما في ظل استمرار توقف مصفاة رأس لانوف. ولا تعمل هذه المصفاة بمعزل عن الشبكة؛ بل ترتبط عضوياً بحقل “الشرارة” – أحد أكبر الحقول الليبية بطاقة إنتاجية تناهز 300 ألف برميل يومياً – وهو ما يعني أن أي تعطيل طويل الأجل في الزاوية لن يتوقف عند حدود الأزمة الأمنية المحلية، بل سيتداعى سريعاً ليشكل شللاً كاملاً في سلسلة إمدادات الطاقة بأكملها.
ولم تقتصر الهجمات الأخيرة على كثافتها، بل تميزت بتنوع أهدافها النوعية بشكل يشي برغبة واضحة في تعطيل المنظومة المتكاملة للمنطقة الغربية؛ إذ طالت المسيرات خزانات للوقود، ومنشآت لمعالجة النفط، ومصنعاً لخلط وتعبئة الزيوت، وصولاً إلى محطات تحلية المياه.
وقد أسفرت هذه الضربة عن تدمير خزان تابع لشركة “البريقة” يحوي نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، وتسريب مواد خام في خزانات أخرى، مما يضع العاملين تحت خطورة عالية، ويفرض تكاليف تشغيلية وتأمينية باهظة، تجعل القوة القاهرة قراراً واقعياً للحفاظ على الأرواح والمعدات.
أمام هذا الواقع، تجد حكومة الوحدة الوطنية نفسها في مواجهة معضلة معقدة؛ فحماية المنشآت الحيوية تتطلب سلطة أمنية موحدة، وهو ما يصطدم بتشظي السلاح وتعدد مراكز النفوذ. ورغم تصريحات رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة الداعية للتعامل بحزم ورفع درجة الجاهزية، تظل الأزمة أكبر من الإطار المحلي، حيث تتجاوز تداعياتها الحدود الليبية لتمس أمن الطاقة في حوض البحر المتوسط، وتلقي بظلالها على الدول الأوروبية التي تعول على ليبيا كمصدر قريب ومحوري لتنويع إمداداتها من النفط والغاز.



