الصور أُعيد من خلالها للمدينة جزء من ذاكرتها البصرية وقيمتها الجمالية……
تونس اونيفارنيوز حين تتحول الصورة إلى أكثر من مجرد لقطة، لتصبح شاهدة على مدينة تحفظ ذاكرتها في تفاصيل عمارتها.
«أونيفار نيوز» كان لها حوار مع الباحث الفوتوغرافي والفنان أمين بوصفارة، الذي أعاد، من خلال عدسته، اكتشاف تونس، لا باعتبارها أماكن فقط، بل كأرشيف حيّ تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ والفن والحضارة.
أمين بوصفارة أكد خلال حواره مع «أونيفار نيوز» أن الصور التي يلتقطها بروحه قبل عدسته، وهي تتجاوز توثيق المباني؛ فهي محاولة لإعادة إبراز موروث ثقافي وفني تشكّل في شمال إفريقيا من تلاقح بين العمارة الأوروبية والمرجعيات العربية والمغاربية.
وقد ظهر ذلك بوضوح في العمارة ذات الطابع الـ«Arabisant»، بالتزامن مع تطور الفنون والعمارة وظهور مدارس التكوين الفني في تونس.
لقد نفضت الصور الغبار عن هذا الموروث الذي غطّاه الإهمال، وأُعيد من خلالها للمدينة جزء من ذاكرتها البصرية وقيمتها الجمالية.
إن الصورة جوهر مشروعي، وهي ليست مجرد توثيق لمكان، بل جزء من أرشيف بصري لوطن وذاكرة مدينة.
تنطق بما تختزنه العمارة من تاريخ وفن وحضارة، للمحافظة، من خلالها، على تفاصيل قد تختفي مع الزمن.
إن التاريخ التونسي هو تاريخ حضارات وثقافات مرّت على هذه الأرض وتركت أثرها فيها، من القرطاجيين والرومان، إلى العرب والأندلسيين والعثمانيين ثم الفرنسيين. وكل مرحلة لم تترك لنا مباني فقط، بل تركت أثرًا في العادات واللهجة والفنون والعمارة، حتى أصبح هذا التراكم جزءًا من هويتنا.
من مرّوا من تونس تركوا شواهد معمارية، ورغم تعقيدات الحقبة الاستعمارية، بقيت بعض مبانيها جزءًا من الذاكرة البصرية للمدينة ومصدرًا للإبداع والتأمل. اليوم، ومع انتشار بناء يركّز أكثر على الوظيفة والاستهلاك وأقل على القيمة الجمالية، هناك مخاوف جدية من أن نترك وراءنا أقل مما ورثناه.
دائمًا هناك سؤال يفرض نفسه في تقديره: ماذا سنترك نحن؟
إذا كان من سبقونا تركوا شواهد تحكي عنهم، فعلينا أن نسأل أنفسنا: ماذا ستقول مبانينا وفنوننا عن زمننا بعد مئة عام؟ فالحفاظ على ما ورثناه لا يكفي؛ علينا أيضًا أن نخلق اليوم ما يستحق أن يكون موروثًا غدًا.
من ناحية أخرى، كشف «أمين بوصفارة» أنه بصدد الاشتغال على مشروع فني ضخم وهام.
سيكون على شكل كتاب تحت عنوان:
Palimpseste architectural – Le langage des fragments
وهو امتداد لبحثي الفوتوغرافي في الذاكرة المعمارية التونسية، لكن من زاوية مختلفة تتجاوز التوثيق المباشر للمباني.
حيث ينطلق من التفاصيل المعمارية التي غالبًا ما تمرّ دون أن ننتبه إليها: الأبواب، النوافذ، الأقواس، الأعمدة، الحديد المشغول، المشربيات، الزخارف والملامس، لأتعامل معها باعتبارها عناصر بصرية تحمل ذاكرة المكان وآثار الحضارات التي تعاقبت على تونس.
في هذا المشروع سيكون التصوير الفوتوغرافي كأداة من أدوات الفن التشكيلي؛ لا يكتفي من خلالها محدثنا بتسجيل هذه العناصر كما هي، بل يقوم بعزلها عن سياقها الأصلي، ويعيد تركيبها ومجاورتها وتداخلها في تكوينات جديدة. ومن خلال هذا الاشتغال تتحول التفاصيل المعمارية من مجرد عناصر في مبنى إلى مفردات تشكيلية، ومن المفردات تتكوّن لغة بصرية جديدة، تستحضر تعدد الطبقات التاريخية والثقافية التي صنعت المشهد المعماري التونسي.
الغاية ليست إعادة بناء تاريخ العمارة أو إعادة إنتاج المباني، وإنما تقديم قراءة فنية معاصرة لذاكرتها، وإظهار كيف يمكن للتصوير الفوتوغرافي أن ينتقل من وظيفة تسجيل الواقع إلى فعل الخلق والتأليف التشكيلي.
فالكتاب سيكون في حد ذاته مساحة يلتقي فيها التصوير، والفن التشكيلي، والبحث في التراث، والتصميم، والذاكرة، من أجل طرح سؤال أساسي: كيف يمكن تحويل ذاكرة العمارة التونسية إلى لغة فنية معاصرة قادرة على أن تتحدث إلى الحاضر والمستقبل؟
اسماء وهاجر




