أخبار مهمة

الهجوم المسلح على قفصة (27 جانفي 1980): مجموعة ارهابية تلقت دعما من ليبيا والجزائر….!!

سقوط الرهان القومي العروبي …

تونس اونيفارنيوز تعدّ أحداث قفصة في 27 جانفي 1980 واحدة من أخطر المحطات الأمنية والسياسية في تاريخ تونس المعاصر، إذ مثّلت محاولة انقلاب مسلح منظم استهدف مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وقاد إلى أزمة داخلية وإقليمية كشفت حدود العمل المسلح القومي العروبي، وعجزه عن اختراق المجتمع التونسي أو فرض واقع سياسي جديد بالقوة.

نفذت العملية مجموعة مسلحة من التونسيين أطلقت على نفسها اسم «الجبهة القومية لتحرير تونس»، وتبيّن لاحقًا أن عناصرها تلقت تدريبات عسكرية في ليبيا ولبنان، بدعم مباشر من النظام الليبي، مع تسهيلات جزائرية تعود في جذورها إلى سياسات الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، دون علم الرئيس الجزائري آنذاك الشاذلي بن جديد. وقد أسفرت العملية عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وانتهت خلال ساعات بفشل ذريع، لتتحول إلى محطة فاصلة في تاريخ التيارات القومية الراديكالية في تونس.

جاء هذا الهجوم في سياق توتر متصاعد بين تونس وليبيا، على خلفية خلافات عميقة حول مشاريع الوحدة العربية وطبيعة موقع الدولة الوطنية في النظام الدولي. ففي حين اختارت تونس، بقيادة الحبيب بورقيبة والهادي نويرة، نهج الدولة ذات السيادة والانفتاح البراغماتي، اندفع نظام معمر القذافي نحو تصدير نموذج ثوري وحدوي قائم على إسقاط الأنظمة بالقوة. وضمن هذا الإطار، راهنت القيادة السياسية والعسكرية للعملية، وعلى رأسها عزّ الدين الشريف وأحمد المرغني، على إشعال «ثورة مسلحة» تكون قفصة شرارتها الأولى.

سبقت العملية أشهر من الإعداد شملت تهريب الأسلحة والذخائر إلى داخل المدينة، وتسلل العناصر المسلحة على دفعات عبر الحدود الجزائرية. وفي فجر يوم الأحد 27 جانفي 1980، عند الساعة الثانية صباحًا، أُطلقت قذيفة RPG إيذانًا ببدء الهجوم المتزامن على مراكز الأمن وثكنات الجيش، خصوصًا ثكنتي الهادي اخفشّة وأحمد التليلي. وتمكن المهاجمون، بعد اشتباكات عنيفة استُعمل فيها السلاح الأبيض والناري وكواتم الصوت، من السيطرة المؤقتة على بعض المواقع، وإعدام عدد من الحراس، والاستيلاء على أسلحة خفيفة وذخائر تبيّن لاحقًا عجزهم عن استعمالها لأسباب فنية.

في ساعات الصباح، اقتاد المسلحون نحو 300 مجند أعزل من السلاح إلى معهد ثانوي قريب واحتجزوهم كرهائن، بالتوازي مع دعوات متكررة للسكان للالتحاق بما سُمّي «الثورة المسلحة». غير أن هذه الدعوات قوبلت برفض شبه كامل من أهالي المدينة، وهو ما شكّل منذ الساعات الأولى أحد المؤشرات الحاسمة على فشل الرهان الشعبي للعملية.

تؤكد شهادة العسكري السابق محمد العماري، الذي كان منخرطًا في وحدات فوج 31 للمصفحات، أن المهاجمين لم يسيطروا فعليًا على مدينة قفصة، بل اقتصر نفوذهم على نقاط محدودة ولساعات قليلة فقط، مستفيدين من الغياب المؤقت لقوات الردع. كما تفنّد الشهادة الروايات التي تحدثت عن «معارك ضارية» استمرت أيامًا، مبيّنة أن استمرار إطلاق النار لاحقًا كان إجراءً عسكريًا لتأمين عمليات التمشيط وملاحقة العناصر المتخفية داخل الأحياء السكنية.

في حدود الساعة الحادية عشرة صباحًا، بدأت وحدات الجيش التونسي في الوصول تباعًا من القصرين وقابس، مدعومة بوحدات مشاة ومدرعات. وبحلول الساعة الرابعة بعد الظهر، كانت العملية قد حُسمت عسكريًا: تم تحرير الرهائن، وقتل أو أسر جلّ المسلحين، فيما فرّ عدد محدود منهم قبل أن يُلقى القبض عليهم في الأيام الموالية. وقد أظهرت الأحداث انسحاب القائد العسكري أحمد المرغني من مسرح العمليات منذ الساعات الأولى، بعد إدراكه فشل الخطة، قبل أن يتم القبض عليه لاحقًا قرب مدينة الحامة.

أسفرت أحداث قفصة عن سقوط 45 قتيلًا من العسكريين والأمنيين والمدنيين، بينهم 24 مجندًا، إضافة إلى أكثر من مائة جريح، وفق تقرير محكمة أمن الدولة الصادر في 28 مارس 1980. وأُعدم 13 متهمًا في 17 أفريل 1980، إلى جانب أحكام بالسجن المؤبد وأحكام أخرى متفاوتة.

سياسيًا، عمّقت العملية القطيعة بين تونس وليبيا، وأدت إلى توتر إقليمي حاد كاد ينزلق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وهو ما يفسر الدعم اللوجستي الفرنسي والمغربي اللاحق، الذي اقتصر على نقل القوات والمعدات تحسبًا لأي تصعيد، دون أي تدخل ميداني مباشر في أحداث قفصة نفسها.

ما نقف عليه من خلال هذه الشهادة ان واقعة قفصة ليست مجرد حادثة أمنية معزولة، بل هي دليل على محدودية المشروع القومي العروبي الراديكالي حين يُنقل من مستوى الشعارات إلى واقع المجتمع والدولة. فقد سقط الرهان على العنف المسلح أمام دولة تمتلك مؤسسات أمنية فعالة، ومجتمعًا يرفض التغيير بالقوة، مهما بلغت درجة التذمر أو الإقصاء. وهكذا شكّلت قفصة نهاية وهم «الثورة المستوردة»، وبداية أفول العمل المسلح القومي في التجربة التونسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى