بيت الحكمة … هل أضاعت السياسة حلم المعرفة؟

تونس اونيفارنيوز مجموعة من الأسئلة رافقت الجدل المتعلق ببيت الحكمة في تونس، أثارها الكاتب منصف المزغني، ولا تزال تبحث عن إجابات واضحة. لعل أبرزها: ماذا حدث لهذه المؤسسة التي كانت، عند تأسيسها، عنوانًا لمشروع ثقافي وأكاديمي كبير؟ وهل ما زالت تؤدي الدور الذي أنشئت من أجله، أم أصبحت أسيرة البيروقراطية والتوازنات السياسية؟
هذه الأسئلة لا تستهدف أشخاصًا بعينهم، وإنما تتعلق بمصير مؤسسة كان تأسيسها حدثًا مهمًا في تاريخ تونس الثقافي الحديث. فقد كانت انطلاقة بيت الحكمة قبل عقود لافتة، خصوصًا خلال عهد حكومة محمد مزالي ووزارة الثقافة التي كان يتولاها البشير بن سلامة، حيث نشطت حركة الترجمة والتحقيق والتأليف، وتحولت المؤسسة إلى فضاء للبحث والنقاش والإنتاج الفكري، بما جعلها مشروعًا يتجاوز إنشاء مؤسسة أكاديمية إلى طموح جعل تونس قطبًا للمعرفة والثقافة والفكر عربيًا ومتوسطيًا.
غير أن هذا الزخم لم يستمر بالقدر نفسه، فتراجع نشاط المؤسسة تدريجيًا، وهو ما يعيد طرح السؤال حول أسباب هذا المسار: هل كان نتيجة طبيعية للتحولات الثقافية والعلمية، أم أن البيروقراطية والتجاذبات السياسية ساهمت في تحجيم دورها؟ فبيت الحكمة يفترض أن يكون معقلًا للتفكير الأكاديمي واستشراف التحولات العلمية والثقافية، لا مجرد هيكل إداري يحافظ على الموجود، وأن يكون في قلب الأسئلة الجديدة، من خلال الندوات والترجمة والتحقيق والتأليف والنشر والانفتاح على الجامعات ومراكز البحث.
ولا يمكن فصل هذه الإشكالية عن أزمة أوسع عرفها المشهد الثقافي التونسي، تمثلت في تراجع أو اختفاء مؤسسات كان لها دور أساسي في صناعة الكتاب ونشره وتوزيعه، مثل الشركة التونسية للتوزيع، والشركة التونسية للنشر، والدار العربية للكتاب التونسية الليبية. ولا يكفي تفسير هذا التراجع بعبارة «كساد سوق الكتاب»، فالكتاب لم يمت والقارئ لم يختف، وإنما تغيرت طرق إنتاج الكتاب وتوزيعه والترويج له، وكان المطلوب أن تتطور المؤسسات مع هذه التحولات لا أن تستسلم للانحسار.
ومن هنا تبرز إشكالية الحوكمة والتجدد داخل المؤسسات الثقافية والعلمية. فاحترام كبار الباحثين وتثمين خبراتهم لا ينبغي أن يتحول إلى تجميد للمؤسسة وإغلاق أبوابها أمام الأجيال الجديدة؛ فالمعرفة تتطور، والمؤسسات التي لا تتجدد تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير. والمطلوب ليس صراعًا بين الشيوخ والشباب، وإنما الجمع بين الخبرة والتجديد.
وفي السياق نفسه، لا يمكن أن تتحول المؤسسات العلمية والثقافية إلى مواقع للترضيات أو المحاصصة. فبيت الحكمة ليس كعكة سياسية، ولا ينبغي أن يخضع نشاطه لموازين القوى المتغيرة، لأن المؤسسات التي تحمل مشروعًا معرفيًا يجب أن تكون أرفع من التجاذبات السياسية، وأن يستند عملها إلى الكفاءة والاستقلالية ووضوح المشروع.
لذلك، فإن إعادة الاعتبار إلى بيت الحكمة لا تعني هدم ما تحقق، وإنما إعادة بناء دوره من خلال إشراك الأكاديميين والباحثين، وخاصة الأجيال الجديدة، وتكثيف النشاط العلمي، ودعم الترجمة والتأليف والتحقيق، والانفتاح على الجامعات ومراكز البحث في تونس والعالم.
لقد كان تأسيس بيت الحكمة حلمًا أكبر من مجرد إنشاء مؤسسة أكاديمية؛ كان مشروعًا لتونس كي تصبح قطبًا للمعرفة والفكر والثقافة في المنطقة. وربما لم يتحقق هذا الحلم بالقدر الذي كان ممكنًا بسبب تراكمات سياسية وإدارية ومؤسسية.



