ميزانية 2027: تونس تعود لخيار «المركزي» للمرة الرابعة.. ومخاوف من فخ التضخم

تونس -أونيفار نيوز –تتجه الحكومة نحو تكريس خيار الاقتراض المباشر من البنك المركزي لتمويل ميزانية 2027، في خطوة تعيد إشعال السجال الاقتصادي والسياسي حول مخاطر التمويل النقدي وتداعياته المباشرة على التضخم، والقدرة الشرائية، واستقرار التوازنات المالية العامة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد لافت لاحتياجات الخزينة لتغطية نفقات التسيير وخدمة الدين وسداد الالتزامات الخارجية والداخلية، تزامناً مع انسداد آفاق الاقتراض الخارجي وصعوبة تعبئة الموارد الدولية، وهو ما حصر خيارات السلطات في الموارد الداخلية، وسط مخاوف متزايدة من تحوّل هذا الإجراء من استثناء ظرفي إلى نهج دوري لتغطية عجز الدولة.
ويعكس مشروع ميزانية 2027، المقدر بنحو 22.96 مليار دولار (بزيادة تفوق 8.3% عن ميزانية 2026)، حجم الضغوط المالية المتراكمة؛ إذ تستهدف الحكومة تعبئة قروض إجمالية تناهز 28 مليار دينار، منها ما يقارب 9.8 مليارات دينار كتسهيلات مباشرة من البنك المركزي دون فوائد، تسدد على مدى 15 عاماً مع فترة إمهال لثلاث سنوات. وتعد هذه الخطوة، في حال المصادقة عليها، السنة الرابعة توالياً التي تلجأ فيها الدولة إلى هذا المسار؛ إذ بدأت العودة التدريجية للتمويل المباشر عام 2024 بترخيص استثنائي شمل 7 مليارات دينار، وهو المبلغ ذاته المعتمد لسنة 2025 مع تمديد آجال السداد، قبل أن يقفز السقف المرخص به في قانون مالية 2026 إلى 11 مليار دينار، سحبت منه الخزينة فعلياً 5.65 مليارات دينار حتى أواخر سبتمبر 2026.
ويصطدم هذا التوجه المستمر بمحددات قانونية وتنظيمية؛ فالنظام الأساسي للبنك المركزي التونسي (القانون عدد 35 لسنة 2016)، وتحديداً فصله الخامس والعشرون، يحظر صراحة منح الخزينة تسهيلات أو شراء السندات الحكومية مباشرة، بهدف كبح التمويل النقدي وحماية استقلالية المؤسسة النقدية.
غير أن الدولة تجاوزت هذا المنع عبر استثناءات تشريعية خاصة ومحددة الشروط عبر البرلمان في كل سنة مالية على حدة، مما جعل الاقتراض النقدي واقعاً متكرراً بعد أن كان مجرد تدبير طارئ فُرض سابقاً لمواجهة تداعيات جائحة كورونا عام 2020.
وقد أثارت هذه السياسة تحذيرات واسعة من الفاعلين الاقتصاديين والنقابيين؛ إذ نبّه الاتحاد العام التونسي للشغل إلى أن غياب الإصلاحات الهيكلية يجعل من هذا التمويل مسكناً مؤقتاً يؤجل مواجهة الأزمة الحقيقية للمالية العمومية.
كما حذر الاتحاد من تداعيات التحول البديل نحو التوسع في الاقتراض من البنوك التجارية المحلية، وما يسببه من «مزاحمة للقطاع الخاص» في الحصول على السيولة، مما يرفع تكلفة الائتمان ويحرم المؤسسات الإنتاجية من فرص الاستثمار والتوسع، مطالباً بوضع خطة وطنية عاجلة لإدارة الدين وتوجيه التسهيلات، إن أقرت، نحو الاستثمار العمومي التنموي حصراً.
وفي السياق ذاته، حذر خبراء الاقتصاد، ومن بينهم الأكاديمي رضا الشكندالي، من العواقب المباشرة لضخ كتل نقدية جديدة في الدورة الاقتصادية دون أن يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج والسلع والخدمات؛ الأمر الذي يغذي التضخم ويؤدي حتماً إلى تآكل القدرة الشرائية وتراجع القيمة الحقيقية للدينار.
وتبرز هذه القراءات أن الإفراط في الاعتماد على التمويل النقدي والداخلي لا يعالج العجز بقدر ما ينقل أثره إلى السوق اليومية، مجسداً هشاشة الحلول الظرفية أمام استحقاقات الإصلاح المالي والاقتصادي المستدام.



