زلزال البلديات في فرنسا: انحسار الماكرونية وصعود “الأقطاب البديلة” ….

تونس اونيفارنيوز لم يكن يوم 22 مارس 2026 مجرد محطة لاختيار مديري الشأن المحلي في أقاليم فرنسا، بل جاءت نتائج الدور الثاني من الانتخابات البلدية بمثابة “فرز استراتيجي” أعاد رسم خارطة القوى السياسية قبل عام واحد من السباق نحو قصر الإليزيه. فقد كشفت الصناديق عن حقيقة لم تعد تقبل التأويل: “الماكرونية” كتيار سياسي تعيش خريفها، بينما تستعيد العائلات السياسية التقليدية والراديكالية عافيتها في معارك “كسر العظم” داخل المدن الكبرى.
في قلب العاصمة باريس، حقق الاشتراكي إيمانويل غريغوار فوزاً مدوياً بنسبة قاربت 53\%، ليرث تركة آن هيدالغو ويؤكد استمرارية هيمنة اليسار على “فندق المدينة” لأكثر من ربع قرن. لكن الأهم من الفوز الرقمي كانت الدلالة السياسية؛ فقد انتزع غريغوار النصر دون الحاجة لـ “صك غفران” من حزب “فرنسا الأبية” (LFI)، مفضلاً الحفاظ على استقلالية التيار الاشتراكي القابل للحكم. هذا التوجه منح أوليفييه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي، رصاصة الرحمة ليوجهها نحو خصومه الداخليين، معلناً استعادة “الشرعية القيادية” لليسار الاجتماعي الديمقراطي في مواجهة راديكالية ميلونشون.
وعلى ضفاف المتوسط، كانت مرسيليا مسرحاً لدراما سياسية انتهت ببقاء بينوا بايان في منصبه، بفضل “تكتيك الانسحاب” الذي مارسه مرشح فرنسا الأبية مانويل ديلوغو لقطع الطريق أمام اليمين المتطرف. بينما في ليون، حافظ غريغوري دوسيه على معقل الخضر والاشتراكيين بفارق ضئيل، مؤكداً أن وحدة اليسار تظل هي “القوة الضاربة” الوحيدة القادرة على صد موجات اليمين الزاحفة في المدن الكبرى.
أما في معسكر اليمين، فقد برزت مدينتا نيس وتولون كنموذجين متناقضين؛ ففي نيس، شهدت فرنسا “تطبيعاً علنياً” بين اليمين التقليدي والمتطرف بقيادة إيريك سيوتي، وهو تحالف يكسر “الجدار العازل” التاريخي ويؤسس لعهد جديد من الاندماج بين “الجمهوريين” وحزب مارين لوبان. وفي المقابل، نجحت تولون في المقاومة، حيث سقط اليمين المتطرف أمام اليمين التقليدي، في إشارة إلى أن “الفوبيا” من حزب التجمع الوطني (RN) لا تزال تحرك جزءاً من الكتلة الناخبة.
بيد أن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ من الحواضر الكبرى فحسب، بل من مدن مثل سان دوني وروبيه، حيث حقق حزب “فرنسا الأبية” (LFI) اختراقات تاريخية بأسماء مثل بالي باغا يوكو وديفيد غيورو. هذه الانتصارات تعني أن تيار ميلونشون لم يعد مجرد حركة احتجاجية في البرلمان، بل تحول إلى “سلطة تنفيذية محلية” قادرة على إدارة مدن صناعية وعمالية كبرى، مما يعزز ديناميكيته التصاعدية في الضواحي الفرنسية.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز إدوارد فيليب، عمدة “لوهافر”، كأكبر الرابحين سياسياً. فوزه المستقل والمستقر جعله يبدو “الرجل القوي” المعتدل، والبديل الطبيعي لمعسكر الوسط الذي يتفتت. وبالمقابل، مثلت خسارة فرانسوا بايرو في “باو” نهاية حقبة “العراب” للتيار الماكروني، وضربة رمزية قاسية لتيار “الوسط التاريخي”، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام إدوارد فيليب لترتيب أوراقه الرئاسية لعام 2027 كخيار “إنقاذ” يجمع شتات اليمين والوسط.
إن ما أفرزته هذه الانتخابات هو “فرنسا ثلاثية الأقطاب”: يسار مدني يحاول التخلص من راديكاليته، يمين يبحث عن هويته بين التقليد والتطرف، وماكرونية تتلاشى تدريجياً مع اقتراب نهاية ولاية مؤسسها. لقد انتهت المعارك البلدية، لكن حروب الخلافة الكبرى بدأت لتوها من شرفات البلديات نحو قصر الإليزيه.
يشار وانه تم انتخاب ايمان صويد رئيسة لبلدية اورلي الفرنسية وهي تونسية.
هذه الانتخابات التي تمت في35.000بلدية لإنتخاب 500.000مستشار بلدي وبنسبة مشاركة تقدر ب57% وهي نسبة ضعيفة مقارنة مع انتخابات بلدية سابقة.
وتمكن اليسار في فرنسا من الاحتفاظ بأكبر 3 مدن في البلاد (باريس، ومرسيليا، وليون) في الدورة الثانية من الانتخابات البلدية أمس الأحد، محققا فوزا له طابع رمزي في باريس، في حين فاز اليمين المتطرف في عدد من المدن المتوسطة الحجم.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية لكونها معيارا لقياس المزاج الشعبي ورصد إمكانات التحالف بين الأحزاب قبل عام من نهاية ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون، في ظل شعور اليمين المتطرف بأنه أمام فرصة غير مسبوقة للإمساك بالحكم!!! طبقا لتقديرات خبراء الشان المحلي على غرار الاستاذ محمد الضيفي.
اسماء وهاجر



