أخبار مهمة

مهزلة شركات البستنة تتواصل :اهدار لمئات المليارات….

لم تنجح حتى في ” شراء سلم اجتماعية كاذبة “

من المستفيد الحقيقي من هذه الممارسات؟؟؟؟

تونس اونيفارنيوز بالتوازي مع ازمة المالية العمومية، وندرة الموارد، تتعالى الأصوات المطالبة بفتح ملف شركات الغراسة والبستنة والبيئة، التي تحولت، على امتداد السنوات، من حلّ ظرفي لامتصاص البطالة والاحتقان الاجتماعي إلى منظومة تطرح اليوم أسئلة جدية حول كلفتها ومردوديتها وجدواها الاقتصادية.

المحامية والكاتبة مية الكسوري انتقدت استمرار تحميل الدولة أعباء مالية مرتبطة بهذه الشركات، التي أُحدثت منذ سنة 2011 في إطار ما وصفته بـ«شراء سلم اجتماعية كاذبة». حيث ان 15 ألف شخص يتقاضون أجورًا منها، بكلفة تتجاوز، وفق تقديرها، 200 مليون دينار سنويًا، مقابل ما وصفته بـ«صفر إنجاز».

فبعد سنة 2011، أُحدثت أربع شركات في المتلوي والرديف والمظيلة وأم العرائس على حساب شركة فسفاط قفصة، بالتوازي مع إحداث شركات أخرى في صفاقس وقفصة وقابس على حساب المجمع الكيميائي التونسي، قبل أن تتوسع المنظومة سنة 2015 لتشمل ولايتي تطاوين وقبلي.

وكان الهدف المعلن يتمثل في الاستجابة للمطالب الاجتماعية وامتصاص البطالة والاحتقان في جهات ارتبط اقتصادها أساسًا بالفسفاط والأنشطة المنجمية والكيميائية. غير أن الحل الذي قُدّم في البداية باعتباره ظرفيًا تحول تدريجيًا إلى منظومة دائمة، لها كتلة أجور ومنح وترقيات واتفاقيات شغلية وهياكل نقابية، بينما ظل السؤال الأساسي قائمًا: ما حجم النشاط الفعلي الذي تبرره هذه الكلفة؟

وبحسب المعطيات المتداولة حول الملف، يتراوح عدد العاملين في هذه الشركات بين 14 و16 ألف شخص، فيما تقدر كلفتها السنوية بنحو 225 مليون دينار. وهي أموال عمومية تُصرف أساسًا على الأجور والمنح، في وقت تواجه فيه الدولة ضغوطًا مالية متزايدة وتبحث عن موارد لتقليص نفقاتها وتمويل الاستثمار والمرافق الأساسية كما اكد على ذلك _الاستاذ بن عمر_.

وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها ماذا أنتجت هذه المليارات على امتداد كل هذه السنوات؟ كم هكتارًا تمت غراسته؟ وما حجم عمليات البستنة والصيانة؟ وما الذي تحقق فعليًا في مجال حماية البيئة؟ وهل تتناسب النتائج المسجلة مع حجم الإنفاق العمومي؟

المسألة لا تتعلق فقط بحجم الأموال المرصودة، وإنما أيضًا بمنظومة القرار التي أنشأت هذه المؤسسات ثم واصلت تمويلها وتوسيعها وترسيخ امتيازاتها، من دون أن تخضع، بالصرامة نفسها، لمعايير الإنتاج والمردودية والجدوى التي يفترض أن تحكم المؤسسات العمومية.وهو ما يجعلنا امام فرضية قوية ان هذه الشركات تحولت إلى مجرد آلية لإسناد الأجور والمحافظة على مواطن الشغل، بصرف النظر عن حجم العمل الفعلي والمردودية؟

ويكتسب هذا السؤال بعدًا أكبر حسب عدد من المحللين من بينهم _الاستاذ علي بن عمر_في ظل واقع اجتماعي واقتصادي تتزايد فيه مطالب آلاف حاملي الشهادات العليا، ومن بينهم حاملي الدكتوراه، الباحثين عن فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم، بينما تُوجّه موارد ضخمة سنويًا إلى منظومة تشغيلية لا تزال مردوديتها محل جدل.

وفي زمن الأزمات، لا يمكن للدولة أن تتعامل مع المال العام باعتباره موردًا غير محدود. فعندما تعاني شركة فسفاط قفصة من نقص الاستثمار، ويواجه المجمع الكيميائي صعوبات في تمويل الصيانة ومواجهة التلوث، وتضطر مؤسسات عمومية إلى البحث عن التمويل لتوفير أجور موظفيها، بينما تعاني المرافق العمومية من نقص الموارد، يصبح من المشروع، بل من الضروري، إخضاع كل منظومة ممولة من المال العام إلى التقييم والمساءلة.

كم تكلف هذه الشركات الدولة فعليًا؟ كم تنتج؟ ماذا أنجزت؟ وما حجم الحاجة الحقيقية إلى هذا العدد من العاملين؟ والأهم: هل ما تقدمه يتناسب مع الموارد التي تُضخ فيها سنويًا؟

لذلك لم يعد ملف شركات الغراسة والبستنة والبيئة شأنًا نقابيًا أو اجتماعيًا محدودًا، بل أصبح قضية مرتبطة بالحوكمة والمال العام ومستقبل المؤسسات العمومية وبالتالي إخضاع هذه الشركات إلى تقييم شفاف ومستقل يحدد حجم نشاطها، ومردوديتها، وحاجتها الحقيقية إلى الموارد البشرية، وكلفة كل وظيفة مقابل الخدمة التي تقدمها.

فهل تستطيع تونس مواصلة إنفاق نحو 225 مليون دينار سنويًا على منظومة يفترض أن تكون مهمتها الغراسة والبستنة وحماية البيئة، في وقت تعجز فيه الدولة عن توفير الموارد الكافية للاستثمار والصيانة والخدمات الأساسية؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يُفتح اليوم، بعيدًا عن الحسابات السياسية والنقابية، لأن استمرار غياب التقييم والمساءلة يعني أن فاتورة هذه المنظومة ستتواصل على حساب المال العام، وعلى حساب قدرة الدولة على توجيه مواردها المحدودة نحو الاستثمار والتنمية والخدمات الأساسية.

اسماء وهاجر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى