هيئة السوق المالية تضبط الإطار التطبيقي لمنع غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب …

صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 23 جانفي 2026 ترتيب عن هيئة السوق المالية يتعلّق بضبط التدابير التطبيقية لمنع غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وانتشار التسلّح، وذلك في إطار استكمال المنظومة القانونية الوطنية ذات الصلة، ولا سيما القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015، كما تمّ تنقيحه وإتمامه، وبالانسجام مع الالتزامات الدولية والمعايير المعتمدة في هذا المجال.
ويهدف هذا الترتيب إلى إرساء إطار تطبيقي واضح وملزم للمؤسسات الخاضعة لرقابة هيئة السوق المالية، يرتكز أساسًا على اعتماد المنهج القائم على المخاطر كخيار تشريعي وتنظيمي محوري، بما يضمن نجاعة التدابير الوقائية وملاءمتها لطبيعة المخاطر التي قد تتعرض لها هذه المؤسسات. وقد تمّ في هذا السياق تكريس مبدأ التناسب بين درجة المخاطر ومستوى العناية الواجبة المطلوب، بما يسمح بتشديد الإجراءات في الحالات عالية الخطورة وتبسيطها في الحالات منخفضة المخاطر، دون الإخلال بمتطلبات الحيطة واليقظة.
كما ضبط الترتيب بدقة المفاهيم الأساسية المعتمدة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، من ذلك المستفيد الحقيقي، والأشخاص السياسيون ذوو المخاطر، والمعاملات أو العمليات المسترابة، وخارطة المخاطر، والكيانات أو الأشخاص الخاضعين لعقوبات مالية مستهدفة، وهو ما من شأنه توحيد الفهم والتطبيق وضمان سلامة التأويل القانوني لأحكامه.
وأولى النص أهمية قصوى لمسألة التعرّف على الحريف والتحقق من هوية المستفيد الحقيقي، باعتبارها الركيزة الأساسية للوقاية من استغلال المؤسسات المالية في أنشطة غير مشروعة. وفي هذا الإطار، أوجب الترتيب التثبت من هوية الأشخاص الطبيعيين والمعنويين والترتيبات القانونية، والكشف عن هياكل الملكية والسيطرة الفعلية، مع تحيين المعطيات بصفة دورية، واستعمال مصادر موثوقة ومستقلة عند الاقتضاء، بما يعزز الشفافية ويحدّ من مخاطر التمويه والإخفاء.
كما شدّد الترتيب على ضرورة اعتماد تدابير عناية واجبة معززة تجاه الحالات ذات المخاطر المرتفعة، وخاصة عند التعامل مع الأشخاص السياسيين أو مع بلدان وكيانات لا تطبق المعايير الدولية بصورة كافية، أو عند إنجاز معاملات معقّدة أو غير اعتيادية لا يبررها الغرض الاقتصادي أو المالي المعلن. وفي المقابل، أتاح إمكانية اعتماد تدابير مبسطة في الحالات منخفضة المخاطر، شريطة أن يكون ذلك مبنيًا على تقييم موضوعي ومُوثّق.
ومن جهة أخرى، كرّس الترتيب واجب التصريح بالعمليات والمعاملات المسترابة لدى اللجنة التونسية للتحاليل المالية عبر المنظومات المعتمدة، مع التأكيد على سرية التصريح وحماية القائمين به من أي مسؤولية، فضلًا عن إلزام المؤسسات بمسك السجلات والوثائق ذات الصلة وتمكين السلطات المختصة من النفاذ إليها عند الطلب ودون تأخير.
ولتعزيز نجاعة التطبيق، ألزم الترتيب المؤسسات بإرساء منظومة حوكمة داخلية فعّالة تشمل وضع سياسات وإجراءات مكتوبة في مجال الامتثال، وتعيين مسؤولين مؤهلين يتمتعون بالكفاءة والاستقلالية، وضمان التكوين المستمر للأعوان، فضلًا عن إعداد وتحيين خرائط المخاطر وإدماجها ضمن الاستراتيجية العامة للمؤسسة.
وتضمن الترتيب احكام ختامية تتعلق بآجال الامتثال وإلغاء النصوص السابقة المخالفة، بما يضمن الانتقال المنظم إلى الإطار التطبيقي الجديد. ويجسّد هذا النص، في مجمله، توجّهًا تشريعيًا حديثًا يقوم على الوقاية الاستباقية، والشفافية، والمسؤولية المشتركة، ويهدف إلى حماية سلامة السوق المالية وتعزيز ثقة المتعاملين فيها، ودعم مكانة تونس ضمن المنظومة المالية الدولية.



