الكاتب محمد علي العماري ل “اونيفار نيوز”:لا يمكن فهم تاريخ تونس دون تفكيك مسار الحركة النقابية…!!

هذه حقيقة الديمقراطية الداخلية و حضور النهضة في الفضاء النقابي…
تونس اونيفارنيوز في تصريح خص به اونيفار نيوز كشف الكاتب محمد علي العماري في علاقة بمؤلفه الجديد «الحركة النقابية في تونس خلال قرن (1924-2024): التحديات – الإنجازات – الإخفاقات»
عملاً مرجعيًا يتجاوز حدود التأريخ التقليدي لمنظمة مهنية، ليقدّم قراءة عميقة في تشكّل الدولة الوطنية التونسية من زاوية اجتماعية – سياسية ظلّت، في كثير من الأحيان، حاسمة في توجيه مسار الأحداث.
فالكتاب ينطلق من أطروحة واضحة مفادها أن فهم تاريخ تونس الحديث لا يستقيم دون تفكيك مسار الحركة النقابية، وفي قلبها الاتحاد العام التونسي للشغل، بوصفه فاعلًا تاريخيًا أسهم في مقاومة الاستعمار، وفي بناء دولة الاستقلال، ثم في إعادة تشكيل التوازنات السياسية بعد الثورة.
العمل لا يكتفي بسرد زمني للأحداث، بل يؤسس لرؤية تحليلية تبدأ من الجذور الفكرية العالمية لنشأة العمل النقابي، مرورًا بالسياق التونسي الذي شهد سنة 1924 تجربة رائدة قادها محمد علي الحامي، حيث تداخل الاجتماعي بالوطني في مواجهة الهيمنة الاستعمارية. ومنذ تلك اللحظة المبكرة، يبرز الكتاب كيف أصبح الفعل النقابي جزءًا من معادلة التحرر الوطني، لا مجرد أداة مطلبية لتحسين الأجور.
ويمثل تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946 نقطة التحول الكبرى، إذ ينتقل التنظيم النقابي إلى مستوى المؤسسة الوطنية الجامعة. وفي هذا السياق، يمنح الكتاب معالجة معمّقة لقضية اغتيال الشهيد فرحات حشاد، لا باعتبارها حادثة معزولة، بل كجريمة سياسية مفصلية أعادت ترتيب المشهد الوطني، وكرّست الاتحاد كقوة تعبئة مركزية في معركة الاستقلال. يحيط المؤلف بالملف من مختلف جوانبه، ويفكك سياقاته الداخلية والدولية، ويبحث في تداعياته السياسية والتنظيمية، مبرزًا كيف تحوّل الاغتيال إلى لحظة وعي جماعي عزز شرعية المنظمة في الوجدان الوطني.
ويمتد التحليل إلى مرحلة الدولة الوطنية، حيث يرصد الكتاب العلاقة المركبة بين الاتحاد والسلطة: من الشراكة في صياغة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، إلى محاولات الاحتواء والتدجين. ويخصّص حيزًا مهمًا لأحداث «الخميس الأسود» يوم 26 جانفي 1978، باعتبارها إحدى أخطر لحظات الصدام بين الدولة والمنظمة النقابية. لا يكتفي السرد بوصف العنف، بل يسبر أغوار المناخ السياسي والاجتماعي الذي سبق المواجهة، ويحلل مسؤوليات الأطراف، ويستعرض تداعيات تلك الأزمة على توازنات الحكم وعلى بنية الاتحاد نفسه.
ومن الإضافات النوعية التي يقدّمها الكتاب عمله الدقيق على توثيق جميع المؤتمرات النقابية منذ المؤتمر التأسيسي سنة 1946 إلى المؤتمر الخامس والعشرين سنة 2022، بما في ذلك المؤتمرات التي نظمتها السلطة ولم تحظَ باعتراف تاريخي من قطاعات واسعة من النقابيين، مثل فترتي البشير بلاغة (1965-1970) والتيجاني عبيد (1978). هذا التوثيق الشامل لا يكتفي بإيراد التواريخ، بل يحلل اللوائح والبرامج ونتائج الانتخابات، ويقيس نسب التجديد داخل القيادة، ليجعل من المؤتمرات مرآة تعكس تحولات موازين القوى داخل المنظمة، وعلاقتها بالسلطة السياسية.
وفي مرحلة حكم زين العابدين بن علي، يرصد الكتاب مسارًا متدرجًا من الاستقلالية النسبية إلى حالة من الالتباس والارتهان، قبل أن يعيد طرح سؤال الدور التاريخي للاتحاد مع اندلاع الثورة التونسية 2010-2011. وقد خُصصت مساحة مهمة لتحليل تلك المرحلة، حيث يبرز المؤلف التفاوت بين تردد القيادة المركزية في مواجهة النظام القائم، وانخراط القواعد النقابية والجهوية في الحراك الاحتجاجي ضد السلطة، بما يكشف عن دينامكية داخلية معقدة لا يمكن اختزالها في موقف واحد.
كما يتوقف الكتاب مطولًا عند مرحلة الانتقال الديمقراطي، موضحًا كيف انتقل الاتحاد من موقع “الشريك الاجتماعي” إلى موقع “الفاعل السياسي المحوري”، الذي لا يمكن تجاوزه في صياغة السياسات العامة وإدارة الأزمات الوطنية. ويحلل هذا التحول بوصفه نتاجًا لتراكم تاريخي طويل، لكنه في الآن ذاته يطرح إشكاليات جديدة حول حدود الدور النقابي، وعلاقته بمفهوم الحياد والاستقلالية.
ومن أبرز الإضافات التي جاء بها العمل خوضه في قضايا معاصرة لم تحظ سابقًا بمعالجة معمقة، مثل إشكالية التعددية النقابية، وتجربة التيار الإسلامي داخل الفضاء النقابي، والعلاقة بين الديمقراطية الداخلية ومتطلبات القيادة المركزية. ولا يكتفي المؤلف بعرض هذه الملفات، بل يقترح مقاربات استشرافية لمستقبل الاتحاد العام التونسي للشغل في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متسارعة، واضعًا المنظمة أمام سؤال التجديد البنيوي والوظيفي.
إن القيمة المضافة لهذا الكتاب تكمن في جمعه بين الصرامة التوثيقية والجرأة التحليلية؛ فهو لا يقدّم سردًا تمجيديًا، ولا قراءة اتهامية، بل يسعى إلى بناء سردية متكاملة تُبرز الإنجازات كما تكشف الإخفاقات، وتفكك التناقضات التي رافقت مسار قرن كامل من العمل النقابي. إنه عمل يعيد كتابة تاريخ تونس الحديث من زاوية القوى الاجتماعية، ويضع القارئ أمام حقيقة مفادها أن الحركة النقابية لم تكن شاهدًا على التحولات الكبرى، بل كانت أحد صانعيها.
حاورتاه اسماء وهاجر



