أخبار مهمة

خبير: نسبة التضخم ترتفع مجددا

يشهد المشهد الاقتصادي التونسي مؤخراً تحولاً لافتاً في مسار الأسعار، حيث دق أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، معز السوسي، ناقوس الخطر إزاء عودة المنحى التصاعدي لمعدل التضخم بعد فترة طويلة من الانفراج النسبي.

فبعد أن سجل التضخم مستويات قياسية تجاوزت 10% في مطلع عام 2023 ودخل بعدها في مسار تنازلي مستمر، عاود الصعود تدريجياً خلال عام 2026؛ إذ انتقل من 4.8% إلى 5.1% في جويلية، ثم إلى 5.4% في أوت، وصولاً إلى 5.6% خلال شهر سبتمبر. هذا التتابع التصاعدي يعكس، بحسب السوسي، تحولاً هيكلياً في الاتجاه العام يستدعي اليقظة والتحليل، بعيداً عن مجرد النظر إلى الأرقام المجردة.

​وفي قراءته لخلفيات هذه الموجة الجديدة، يستبعد السوسي أن تكون السياسات النقدية هي المحرك الأساسي للارتفاع، مرجعاً جذور الأزمة إلى صدمات جانب العرض واختلالات نسق الإنتاج المحلي، لا سيما في القطاع الغذائي. فقد تضافرت الصعوبات المناخية القاسية التي شهدتها البلاد خلال الصيف مع اضطرابات التزويد، لتخلق ندرة واضحة في منتجات أساسية كالسكر والأرز والمياه المعلبة. وحتى وإن كانت أسعار بعض هذه المواد مؤطرة قانونياً، فإن نقصها في الأسواق يدفع المستهلكين اضطرارياً نحو بدائل تخضع للأسعار الحرة، مما يشعل فتيل الطلب ويرفع كلفة المعيشة، وهو ما انعكس جلياً على أثمان الخضر الطازجة، اللحوم، الدواجن، والبيض نتيجة تعثر دورات الإنتاج المنتظم.

​هذا الضغط التضخمي يلقي بظلال ثقيلة ومباشرة على المقدرة الشرائية للأسر، التي باتت تتآكل بوتيرة تفوق الزيادات المقررة في الأجور ضمن قانون المالية، والمقدرة بنحو 3.5% للفترة الممتدة بين 2026 و2028. وقد تجلت حدة هذا التفاوت بشكل خاص في شهر سبتمبر؛ إذ تزامن الارتفاع العام للأسعار—الذي سجل زيادة شهرية بنسبة 3.4% بين أوت وسبتمبر—مع أعباء العودة المدرسية، حيث قفزت أسعار الأدوات المكتبية بنسبة 3.2% في شهر واحد فقط، فضلاً عن تصاعد كلفة التعليم الخاص. وما يزيد المشهد تعقيداً أن سلة الغذاء والمشروبات تستحوذ وحدها على 26.2% من إنفاق الأسر، كما أن 80% من أسعار هذه المواد حرة وغير خاضعة للتسعير الجبري، وهو ما يجعل آليات الرقابة وتحديد الأسعار محدودة الأثر والجدوى.

​تأسيساً على هذا الواقع، يعتبر معز السوسي إلى أن المعالجة الحقيقية لكبح جماح التضخم لا يمكن أن تختزل في الإجراءات الإدارية أو الزجرية لمراقبة الأسعار، بل تتطلب رؤية استراتيجية ترتكز على إصلاح منظومات الإنتاج المعطلة، وإنقاذ القطاع الفلاحي من أزماته الهيكلية ومواجهة تداعيات التغير المناخي.

فالحل المستدام، في نظره، يكمن في تجاوز ضعف الاستشراف والسياسات القطاعية التقليدية، وصياغة خطة إنتاج وطنية واقعية وشاملة تعيد التوازن إلى الأسواق وتدعم استقرار الاقتصاد التونسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى