أخبار مهمة

حرب الخليج الثالثة : حرب الاستعصاء والخسائر المتقاسمة ….

تونس اونيفارنيوز تشير كل الدلائل إلى أن الحرب التي تضع إيران في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لن تضع أوزارها في الأيام القليلة القادمة إذا ما تواصلت بالشكل الحالي ولم تشهد اللجوء إلى نوعية أخرى من الأسلحة بما فيها تلك التي يمنع القانون الدولي استعمالها. يبدو أن إيران نجحت في النجاة من الوقوع في فخ حرب خاطفة لا يمكن أن تنتصر فيها بأي حال من الأحوال لتنقل المواجهة إلى ميدان تتحكم فيه أكثر وهو حرب الاستنزاف خاصة وأنها قد خبرت هذا الأسلوب خلال حرب الخليج الأولى التي وضعتها أمام عراق صدام حسين وتواصلت على امتداد عشرية ثمانيات القرن الماضي. تجاوزت إيران بسرعة صدمة اليوم الأول للضربات الأمريكية- الإسرائيلية التي أصابت بعض الأهداف ونجحت خاصة في استهداف آية الله خمينائي واغتياله. حصيلة اليوم، واستحضار التفاوت في موازين القوى وما يشكو منه النظام الإيراني من اختراقات ووجود عملاء جعل دونالد ترامب يعتقد أن ساعات قليلة تفصله عن إعلان نصر شبيه بذلك الذي أعلنه عند نجاحه في اختطاف نيكولاس مادورو. نجاح يحتاج له لاشباع نرجسيته ولصرف الأنظار عن تداعيات ملف ابستاين الذي يرى الكثيرون أنه ورقة الضغط التي لوح بها نتنياهو لجر الرئيس الأمريكي إلى حرب لم تكن ،إلى حد كبير، ضرورية خاصة وأن إيران قد قدمت تنازلات كبرى في المفاوضات حول برنامجها النووي وكان بالإمكان أن تغلق جولة مفاوضات أخرى الملف وتمنح ترامب انتصارا حقيقيا. يضاف إلى ذلك أن الحرب الخاطفة التي استهدفت إيران قبل أسابيع وسقوط النظام السوري السابق وتفكك البنية التنظيمية لحزب الله كانت كلها عوامل أنهت، ولو إلى حين ، مشروع الهلال الشيعي وكرست تفوقا اسرائيليا واضحا وجعلت بعض قادة الكيان يعتبرون أن أشهرا قليلة ، وحربان أو ثلاثة ، على أقصى تقدير تفصل بينهم وبين إقامة إسرائيل الكبرى. حلم يتقاطع مع حلم آخر يداعب ساكن البيت الأبيض وبعض المؤثرين في القرار في واشنطن وهو تكريس هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم وتأكيد الأحادية القطبية واجهاض كل محاولات ظهور أقطاب أخرى. لا تغيب عن هذا التطلع معتقدات قيامية وذات خلفية دينية ترتبط بالمسيحية شأنها شأن المعتقدات القيامية والأبوكالبسية التي تتغذى منها الصهيونية. ولا يجب أن ننسى أن إيران، التي تتبنى رسميا المذهب الشيعي ليست بعيدة عن هذه المعتقدات لأن الجميع في انتظار المهدي المنتظر. نقطة الالتقاء بين هذه المعتقدات القيامية المتناقضة لارتباط كل واحد منها بدين سماوي مختلف هو الإيمان بأن” خلاص ” الإنسانية و” نهاية التاريخ” لا تتحقق الا في أعقاب حرب تقضي على الطرف المقابل . هنا نكون أمام عقدة صلبة من معتقدات ،يمكن رفضها عقليا وأخلاقيا، ولكنها فاعلة في الواقع خاصة حين تهيمن على أذهان أبرز الفاعلين في الأزمة كنتنياهو والمرشد الجديد لإيران مجتبى خامنائي. ومما يزيد في محورية هذه الحرب والتأكيد على أنها لا تقبل أنصاف الحلول رهاناتها السياسية والاقتصادية لأنها ستحدد أهم ملامح المشهد السياسي الدولي في السنوات القادمة . انتصار الثنائي الإسرائيلي- الأمريكي يمثل رصاصة الرحمة للقضية الفلسطينية وتكريسا لمشروع إسرائيل الكبرى وإعادة هيكلة سلاسل التزويد بما ينهي عمليا مشروع التمدد الصيني نحو البحر الأبيض المتوسط. وارد جدا وفق هذا المشروع تحويل غزة وميناء غزة ،بعد إعادة اعمار أمريكية وتحت السيطرة الإسرائيلية إلى قطب اقتصادي عالمي قادر على سحب البساط من أهم الممالك الخليجية . أكيد أن إيران تحارب أساسا من أجل مصالحها الذاتية ولكنها تستفيد من المخاوف الصينية والروسية من قيام نظام موال لواشنطن في طهران يمثل اختراقا لمنطقة الرفاه والاطمئنان الاستراتيجية لموسكو وبكين. استفادة قد تكون محدودة، في ظل تجنب الصين وروسيا الدخول في مواجهة سياسية مع واشنطن ،ولكنها مهمة لتوفير بعض الأسلحة وأيضا الدعم الاقتصادي. روسيا والصين يستفيدان من حرب تمتد في الزمن لأنها ترهق الولايات المتحدة الأمريكية وتفرض عليها ترتيب أولوياتها ، وحتى حين تخرج متفوقة عسكريا فإن إطالة أمد الحرب يمس من ” هيمنتها” ومن صورة ” زعامتها” . واضح أن هذه الحسابات تبرز في الدور الذي يقوم به حليف موسكو وبكين ونعني به كيم جونغ وون في تسليح إيران. أوروبا أيضا تنأى بنفسها ،لحد الآن، عن الدخول في أتون الحرب لعدة أسباب من أهمها وضعها الاقتصادي وأيضا ضغط الرأي العام وتأثير ازدراء ترامب لشعوبها وقادتها ولكنها قد تجد نفسها مضطرة إذا ما تواصل الصمود الإيراني لأن مصالحها مرتبطة استراتيجيا بمصالح واشنطن . تقاطع المعطيات الاقتصادية والثقافية والسياسية يجعلنا أمام مواجهة تكثفت والتقت فيها كل التناقضات التي برزت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولم تجد طريقا لحلول سلمية وهو ما يجعل الحرب الحالية ،أشبه بحرب عالمية ثالثة حتى وإن كانت تضع في الواجهة ثلاثة أطراف فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى