“هوما” لسيرين قنون: رحلة غوص في هشاشة الرجل وصراعاته الدفينة

ضمن فعاليات الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي، احتضن مسرح الهواء الطلق بالحمامات عرض المسرحية التجريبية “هوما ” للمخرجة سيرين قنون. العمل من إنتاج “مسرح الحمراء”، ونص مشترَك بين سيرين قنون وحمدي حدة، وتجسيد الثنائي بحري الرحالي وعبد المنعم شويات، إلى جانب رؤية سينوغرافية لبلال بن رمضان وتصميم موسيقي لحمزة بوشناق.
نجحت المخرجة سيرين قنون في نقل أجواء الاختناق والفضاء المغلق إلى الركح المفتوح بالحمامات، حيث تدور أحداث المسرحية على امتداد 60 دقيقة مكثفة داخل عيادة، لتكتشف اللعبة المسرحية في النهاية أن كل ما جرى من صراعات واستدعاء للذاكرة وتداخل بين الماضي والحاضر لم يكن سوى جلسة تنويم مغناطيسي مدتها ساعة واحدة (من الرابعة إلى الخامسة مساءً)، كان الهدف منها في الظاهر مساعدة المريض على الإقلاع عن التدخين.
تتخذ المسرحية من مفاهيم “الذكورة” والصورة النمطية للرجل محورًا للبحث والمساءلة؛ إذ لا يظهر بطل العرض كرمز للقوة الجسدية أو السلطة، بل ككائن مجهد من أداء الدور الاجتماعي الذي فُرض عليه. وعبر مواجهة بين المريض والمعالج، تُفتح زوايا الذاكرة المظلمة لتستحضر علاقات معقدة مع أم متسلطة، وأب غائب أو مستسلم، وزوجة، وامرأة تُدعى “فريدة” ترتبط بحكايات الحمل والهروب والشعور بالذنب. ورغم الغياب الجسدي للمرأة على الركح، إلا أن حضورها يظل طاغيًا ومحركًا أساسيًا للصراع النفسي.
اعتمد العرض إخراجيًا على سينوغرافيا مقتضبة تتسع دلالاتها تدريجيًا لتصبح مساحة نفسية مجردة. وتخلل العرض وظائف بصرية مميزة، أبرزها مشاهد الإسقاط الضوئي والفيديو التي أحيت عالم “الويسترن” و”الكوبوي” بوصفه النموذج المخيالي المكرس للرجولة والقوة؛ حيث استُحضر هذا العالم المتخيل خلال لحظات التوتر العالي والتنويم المغناطيسي للهروب من أسئلة الماضي، قبل أن تتحول المواجهة بين المريض ومعالجه إلى مبارزة رمزية تكشف عجز الشخصية عن حل أزماتها الداخلية بالقوة.
تداخلت الأحداث بأسلوب لا خطي يعتمد السخرية السوداء، مخففًا من حدة المواجهة عبر تحويل لحظات العجز والخوف إلى مفارقات كوميدية.
وفي الندوة الصحفية التي تلت العرض، أكدت سيرين قنون أن إعادة تكييف المسرحية لتلائم ركح الحمامات المفتوح فرض تحديات تقنية وفنية تخص الإضاءة والسينوغرافيا والصوت والعوامل المناخية كالرطوبة. من جهتهما، أشار الممثلان بحري الرحالي وعبد المنعم شويات إلى الخصوصية الاستثنائية لركح الحمامات، والتي تمنح الممثل طاقة مختلفة بفضل القرب المباشر والتفاعل الحي مع الجمهور.



