إكتشافات حوض قابس-طرابلس :مشكلة تونس في الإنتاج لا في اكتشاف الثروات…

تونس اونيفارنيوز اعاد الإعلان عن إعادة طرح الاستثمارات المتعلقة بحوض قابس–طرابلس البحري ملف النفط والغاز إلى واجهة النقاش الاقتصادي في تونس، في ظل تقديرات تتحدث عن موارد هامة من المحروقات في المنطقة المشتركة بين تونس وليبيا.
وقد دفع ذلك إلى قدر من التفاؤل بشأن إمكانية تطوير الإنتاج الطاقي واستقطاب استثمارات خارجية، غير أن تقييم هذه المعطيات يقتضي التمييز بين حجم الموارد المحتملة وبين قدرة الاقتصاد التونسي على تحويلها إلى إنتاج فعلي ومداخيل بالعملة الصعبة.
فالموارد الجيولوجية لا تمثل في حد ذاتها عائدا اقتصاديا مادامت لا تستغل الإستغلال الأمثل. فبين وجود الاحتياطي وإنتاجه تجاريا مراحل تتطلب الاستكشاف والتقييم والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا، فضلا عن تحديد شروط الاستغلال وتقاسم الإنتاج في الحقول العابرة للحدود. لذلك فإن الأرقام المتعلقة بالاحتياطيات المحتملة لا يمكن التعامل معها باعتبارها إيرادات متاحة للدولة، ولا باعتبارها حلا مباشرا لمشكلة الطاقة أو المالية العمومية.
فالمسألة تطرح سؤالا أوسع يتعلق بأولويات الاقتصاد التونسي. لأن المشكلة لا تتمثل بالضرورة في نقص الموارد الطبيعية، وإنما في ضعف نسق استغلال عدد من الموارد القائمة وتراجع الإنتاج في قطاعات كانت توفر للبلاد عائدات تصديرية مهمة.
معضلة الفوسفاط..
يقدم قطاع الفوسفاط التونسي نموذجا واضحا لهذه الوضعية. فتونس تمتلك احتياطيات وخبرة متراكمة في استخراج الفوسفاط وتحويله، كما توجد لديها منظومة صناعية قادرة على معالجة الخام وإنتاج مشتقاته، وفي مقدمتها المجمع الكيميائي التونسي. وبالتالي فإن القيمة الاقتصادية للقطاع لا تتوقف عند استخراج الفوسفاط، وإنما تشمل سلسلة صناعية يمكن أن تحقق عائدا أعلى من تصدير المادة الخام.
غير أن إنتاج الفوسفاط في تونس لم يعد إلى المستويات التي بلغها في سنوات سابقة، وهو ما انعكس على الصادرات وعلى توفر العملة الصعبة وعلى نشاط الصناعات المرتبطة بالقطاع. وبالتالي فإن استعادة الإنتاج ليست مسألة قطاعية محدودة، وإنما لها علاقة مباشرة بالتوازنات الخارجية للاقتصاد التونسي.
ويفترض ذلك معالجة العوامل التي تحد من الإنتاج، سواء تعلق الأمر بوسائل الاستخراج أو النقل أو البنية التحتية أو الاستثمار في المنشآت الصناعية، مع ضمان انتظام سلسلة الإنتاج من الحوض المنجمي إلى وحدات التحويل والتصدير. فالزيادة في إنتاج الفوسفاط لا تحقق كامل مردودها الاقتصادي إذا بقيت المشاكل قائمة في مراحل النقل أو التحويل أو التسويق.
وينطبق المنطق نفسه على الإمكانيات الفوسفاطية المكتشفة بولايتي الكاف والقصرين. فإذا أثبتت الدراسات الفنية والاقتصادية وجود احتياطات قابلة للاستغلال بتكلفة تنافسية، فإن تطويرها يمكن أن يضيف موردا جديدا للصادرات، خصوصا إذا ارتبط بمشاريع للتحويل الصناعي. لكن الجدوى لا تقاس بحجم الاحتياطي وحده، وإنما بكلفة الاستخراج والنقل والتحويل، وبالأسعار العالمية، وبقدرة المشروع على تحقيق عائد اقتصادي صاف.
ومن هذه الزاوية، تبدو إعادة رفع إنتاج الفوسفاط وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة به مسألة أكثر ارتباطاً بالاقتصاد التونسي في المدى القريب من انتظار نتائج التنقيب البحري. فالإنتاج القائم يمكن تطويره ضمن منظومة صناعية موجودة، بينما يتطلب النفط والغاز البحري مراحل استكشاف وتطوير واستثمار قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري.
الطاقات النظيفة.. الخيار الإستراتيجي…
من المؤكد أنه إذا أثبتت عمليات التنقيب وجود موارد قابلة للاستغلال التجاري في حوض قابس طرابلس، فإن تطويرها يمكن أن يساهم في تغطية جزء من حاجيات تونس من الطاقة وتحسين الميزان التجاري. لكن ذلك يبقى مرتبطا بالجدوى الاقتصادية للمشاريع وبكلفة الاستخراج وبالاستثمارات المطلوبة.
كما أن الحقول العابرة للحدود والمشتركة مع دول أخرى تفرض ترتيبات خاصة بشأن تقاسم الموارد والإنتاج والبنية التحتية، وهي عوامل يجب حسمها قبل الانتقال إلى مراحل التطوير. وبالتالي فإن الإعلان عن المناقصات لاستغلال ثروات حوض قابس طرابلس يمثل بداية لمسار استثماري وليس نتيجة اقتصادية مكتملة.
وفي ملف الطاقة بوجه عام، تبدو الأولوية بالنسبة لتونس مختلفة عن مجرد البحث عن موارد إضافية من النفط والغاز. فالبلاد تحتاج إلى إنهاء اعتمادها على المحروقات المستوردة، وهذا لا يتحقق فقط بزيادة الإنتاج المحلي من الوقود الأحفوري، وإنما أيضا بخفض الطلب على هذه المحروقات وإحلال مصادر أخرى محلها.
وهنا تبرز الطاقات المتجددة باعتبارها جزءا أساسيا من السياسة الطاقية المطلوبة عالميا وليس فقط في تونس. فالتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتطوير شبكات نقل الكهرباء والتخزين، وتحسين النجاعة الطاقية في الصناعة والنقل والمباني، يمكن أن يقلل تدريجيا من كلفة الطاقة ومن الحاجة إلى الاستيراد.
ولا ينبغي النظر إلى الانتقال الطاقي باعتباره ملفا بيئيا فقط، بل باعتباره مسألة اقتصادية استراتيجية تتعلق بالأمن القومي. فكل وحدة من الطاقة المنتجة محليا من مصدر متجدد ستقلل من الحاجة إلى استيراد الوقود، وكل تحسن في كفاءة استهلاك الطاقة يقلل الكلفة بالنسبة إلى المؤسسات والأسر، كما يمكن لتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة أن يخلق مجالات إنتاج جديدة. ومن هذا المنطلق، يمكن تطوير موارد النفط والغاز، إذا ثبتت جدواها، بالتوازي مع تسريع التحول الطاقي، لكن من دون أن يصبح اكتشاف مورد أحفوري جديد سببا في تأجيل الاستثمار في المصادر المتجددة.
إن المعيار الذي يفترض أن يحكم التعامل مع الموارد الطبيعية في تونس هو إذن العائد الاقتصادي الفعلي وليس حجم الاحتياطي المعلن. فالمورد الذي لا يمكن إنتاجه بكلفة تنافسية، أو لا تتوفر له البنية التحتية، أو لا يتحول إلى صادرات وقيمة مضافة، لا يمثل بالضرورة مكسبا اقتصاديا، مهما كان حجمه الجيولوجي.
وبذلك فإن حوض قابس–طرابلس يمثل احتمالا استثماريا ينبغي تقييمه على أساس الجدوى الاقتصادية
ومن هذا المنظور، فإن رفع الإنتاج في القطاعات القائمة وضخ الأموال والإستثمارات فيها على غرار الفوسفاط، وتسريع الانتقال الطاقي نحو الطاقات المتجددة والنظيفة قد يكونان أكثر تأثيرا في الاقتصاد التونسي من الاحتفاء باحتياطيات نفطية وغازية جديدة لم تدخل بعد مرحلة الانتاج.
ماجد البرهومي كاتب سياسي



