قضية “يقين ” تعيد الجدل حول عقوبات الجرائم الجنسيةضد الأطفال…

تونس -أونيفار نيوز –أعادت حادثة الاعتداء الجنسي الجماعي الذي تعرّضت له الفتاة يقين، وفق المعطيات المتداولة، من قبل عدد من القُصّر، إلى الواجهة جملة من التساؤلات المتعلقة بمدى قدرة المنظومة الجزائية الحالية على تحقيق الردع الكافي في مواجهة الجرائم الجنسية العنيفة التي تستهدف الأطفال والقُصّر، ولا سيما عندما تتداخل فيها عناصر العنف والإكراه والتعدد واستغلال حالة الاستضعاف.
وبالنسبة إلى المتهمين الراشدين، تبدو المجلة الجزائية واضحة في تحديد الإطار القانوني لجريمة الاغتصاب، إذ تخضع هذه الجريمة لأحكام الفصل 227 من المجلة الجزائية في صيغته الحالية. وتصل العقوبة، في الحالات التي لا تتوفر فيها ظروف التشديد، إلى السجن مدة عشرين عاماً، فيما يمكن أن تصل إلى السجن بقية العمر في الحالات المشددة التي حددها القانون، من بينها ارتكاب الاغتصاب باستعمال العنف أو السلاح، أو ضد طفل لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، أو من قبل مجموعة من الأشخاص، أو باستغلال سلطة أو نفوذ، فضلاً عن حالات أخرى ترتبط بوضعية الاستضعاف التي يكون عليها الضحية.
غير أن النقاش يزداد تعقيداً عندما يتعلق الأمر بمتهمين من الأطفال، باعتبار أن مساءلتهم الجزائية تخضع لأحكام مجلة حماية الطفل، التي تقوم على مقاربة مختلفة تراعي سنّ الطفل، وطبيعة الفعل المرتكب وخطورته، والظروف المحيطة به، إلى جانب شخصيته ومصلحته الفضلى.
وفي هذا السياق، ينص الفصل 69 من مجلة حماية الطفل على إمكانية تجنيح الجنايات المرتكبة من قبل الأطفال، باستثناء جرائم القتل، مع مراعاة نوع الجريمة وخطورتها، والمصلحة التي وقع المساس بها، وشخصية الطفل والظروف التي ارتكبت فيها الأفعال.
وبالتالي، فإن المسؤولية الجزائية للقُصّر لا تُعالج بالآليات نفسها المعتمدة بالنسبة إلى الراشدين، وهو ما يطرح، في مثل هذه القضايا، إشكالية دقيقة تتعلق بضرورة تحقيق التوازن بين مقتضيات حماية الطفل وإعادة تأهيله من جهة، وحق الضحية في الحماية والإنصاف، وضرورة حماية المجتمع وتحقيق الردع من جهة أخرى.
ويزداد هذا النقاش أهمية في ظل التحولات العميقة التي فرضتها الثورة التكنولوجية على سلوك الأطفال والمراهقين، وما أتاحته البيئة الرقمية من أشكال جديدة للاستدراج والاستغلال والتأثير، وهو ما يفرض إعادة النظر، بصورة علمية ومتأنية، في مدى ملاءمة المنظومة القانونية والمؤسساتية للتغيرات التي طرأت على واقع الطفولة والجريمة، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها عدالة الأحداث وحماية الطفل.
وبقطع النظر عن ملف يقين وتفاصيله، التي لا تزال محل بحث ومن المنتظر أن تتضح على ضوء نتائج الأبحاث والتحقيقات القضائية، فإن الإشكال الأعمق يتجاوز تحديد العقوبة المستوجبة في قضية بعينها، ليطرح سؤالاً حول مدى نجاعة المنظومة القانونية والمؤسساتية برمتها في الوقاية من الجرائم الجنسية ضد الأطفال، وحمايتهم من الاستدراج والاستغلال والعنف، والتدخل المبكر عند وجود مؤشرات الخطر.
كما يطرح الأمر ضرورة توفير آليات فعالة للتكفل الفوري بالضحايا، ومرافقتهم نفسياً واجتماعياً وصحياً، إلى جانب ضمان سرعة الأبحاث القضائية ونجاعتها، وتطبيق القانون على كل من تثبت مسؤوليته، مع احترام الضمانات القانونية والإجراءات القضائية.
فالنقاش حول العقوبة، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يحجب السؤال الأوسع: هل تمتلك المنظومة برمتها القدرة على الوقاية من هذه الجرائم قبل وقوعها، وحماية الأطفال عند تعرضهم للخطر، وضمان التكفل بالضحايا بعد وقوع الاعتداء، ومحاسبة المسؤولين وفقاً للقانون؟
ذلك أن الردع لا يُقاس بالعقوبة وحدها، وإنما أيضاً بمدى قدرة الدولة والمؤسسات على الوقاية، والكشف المبكر، والتدخل السريع، وحماية الضحايا، ومنع تكرار مثل هذه الوقائع.
هاجر واسماء



