تراجع أعباء خدمة الدين يمنح المالية العمومية هامش تحرك أفضل في 2027…

تتجه المالية العمومية التونسية نحو تسجيل انفراج نسبي خلال سنة 2027، مستفيدة من تراجع الضغوط المرتبطة بخدمة الدين العام مقارنة بالسنوات الثلاث السابقة، وهو ما يمنح الدولة هامش تحرك أوسع لإدارة توازناتها الكبرى. ويأتي إعداد مشروعي ميزانية الدولة وقانون المالية لتلك السنة في أعقاب مرحلة اقتصادية معقدة، فاقمتها التوترات الجيوسياسية الإقليمية والدولية؛ إذ أدت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات في الشرق الأوسط إلى قفزات في أسعار الطاقة والسلع الأساسية كالقمح، مما جعل نفقات الدعم تتجاوز التقديرات الأولية المرصودة وتثقل كاهل الميزانية.
وتتزامن سنة 2027 مع انطلاق مرحلة ثلاثية جديدة لميزانية الأهداف (2027-2029) والتنفيذ الفعلي للسنة الثانية من المخطط التنموي الخماسي (2026-2030)، وهو ما يفرض تنزيل مشاريعه ضمن الاعتمادات المتاحة دون إحداث اختلالات جديدة.
وفي خضم هذه المعطيات، يُتوقع أن تكون الميزانية القادمة ميزانية ترميم لمعالجة الأضرار التي لحقت بالمالية العامة واستبعد تقديم “مفاجآت سارة” أو حزم إنفاق استثنائية، لكنها تستند إلى مؤشر إيجابي رئيسي يتمثل في هبوط إجمالي خدمة الدين نحو عتبة العشرين مليار دينار، مقتربة من مستويات سنة 2023. ويتوزع هذا العبء بين دين خارجي يرجح ألا يتخطى خمسة مليارات دينار، ودين داخلي يقدر بحوالي 6460 مليون دينار يغطي رقاع الخزينة بمختلف آجالها وسداد أقساط القروض الوطنية. وبالتوازي مع انحسار أعباء السداد، تشير التقديرات إلى تقلص عجز الميزانية لما دون 6%، مع استمرار الاعتماد على الموارد الجبائية الذاتية وتعبئة الاقتراض الداخلي لتغطيته، في ظل استمرار صعوبة النفاذ للتمويلات الخارجية التي سيقتصر توظيفها—إن توفرت—على تمويل الاستثمارات التنموية دون النفقات الجارية.
وعلى مستوى الفرضيات الاقتصادية، تفرض التقلبات العالمية اعتماد تقديرات أكثر واقعية وتحفظًا لسعر برميل النفط لتفادي عجز إضافي في منظومة الدعم، التي ستبقى مرتفعة بحكم الخيارات الاجتماعية للدولة، مع توقع صمود الدينار واستقراره النقدي دون مخاطر هبوط حادة.
أما في ما يخص السياسة الجبائية والاستثمار، فمن المرجح عدم إقرار أي أداءات أو ضرائب جديدة تثقل كاهل الفاعلين الاقتصاديين، بل التركيز على تقديم حوافز ضريبية موجهة للقطاعات الإنتاجية الواعدة؛ ورغم أن الضغوط المالية ستمنع ضخ استثمارات عمومية ضخمة، إلا أن وتيرة تنفيذ المشاريع ستشهد تحسنًا تدريجيًا، لتكون سنة 2027 بذلك محطة لإعادة ترتيب الأولويات المالية وضبط النفقات مع الاستفادة القصوى من تراجع ضغط سداد الديون.



