العنف ضد المرأة في تونس.. ما لا تقوله الأرقام وما يفعله الوصم…!!

تونس اونيفارنيوز من جديد، تضعنا قضية الاغتصاب الجماعي لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها أمام ملف يتجاوز تفاصيل الجريمة نفسها، ليفتح على واقع أكثر تعقيدًا يتعلق بالعنف ضد المرأة والطفل في تونس، وبالأسباب التي تسمح للعنف بأن يتدرج من التهديد والتحرش والابتزاز إلى الاعتداء الجنسي والرقمي، وربما إلى جرائم أكثر فتكًا…
الأرقام مفزعة وان كانت لا تعطي صورة حقيقية وكاملة عن واقع العنف ضد النساء في تونس. فخلف الحالات المسجلة والمبلّغ عنها، هناك حتمًا حالات أخرى لا تصل إلى الجهات المعنية ولا تجد طريقها إلى الإحصائيات.
ووفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء، صرحت نحو 87% من النساء المستجوبات بأنهن تعرضن لشكل من أشكال العنف خلال حياتهن، مقابل 85% في دراسة سنة 2022.
كما سجل الخط الأخضر 1899، خلال سنة 2025، نحو 7397 اتصالًا، من بينها 4485 اتصالًا مرتبطًا مباشرة بالعنف ضد النساء. لكن عدد الاتصالات لا يمكن اعتباره مرآة كاملة للواقع، لأن الوصول إلى خدمات التبليغ والمساعدة ليس متاحًا لجميع الضحايا.
وتبدو الصورة أكثر قتامة عند النظر إلى جرائم قتل النساء. فقد ارتفع عدد الحالات من 6 حالات سنة 2018 إلى نحو 30 حالة سنة 2025، أي بزيادة تقارب خمسة أضعاف خلال أقل من سبع سنوات.
أما العنف الجنسي، فقد ارتفع من 5% من الحالات الموثقة سنة 2023 إلى 16% سنة 2025، وفق مركز الإصغاء «نجية»، في حين تصدر العنف النفسي الحالات بنسبة 32%، يليه العنف الجسدي بنسبة 28%.
والأكيد أن ما خفي أعظم…ولا خلاف في أن تونس، رغم امتلاكها إطارًا قانونيًا ومؤسساتيًا متقدمًا نسبيًا، لا تزال تواجه فجوة واضحة بين النص القانوني والحماية الفعلية. فبعد سبع سنوات من دخول القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة حيز التنفيذ، لا تزال المؤشرات تكشف اتساع الظاهرة.
لكن ماذا عن العنف الصامت الذي يؤبد معاناة الضحية، والذي لا تطاله الإحصائيات وتقارير المنظمات؟
وماذا عن الوصم الاجتماعي الذي يلاحق الضحية إلى ما لا نهاية، رغم الترويج الإعلامي للإحاطة بها فالواقع يقدم الأدلة ان الضحية تعيش معاناتها وحيدة …
يجمع المحللون في هذا السياق _الاستاذ علي بن عمر_ ان هناك خلل في التعاطي مع معضلة ما بعد الاعتداء. فأغلب الوصفات والقوالب والمناهج أما جاهزة،او مستوردة غير صالحة لمعالجة وضعيات مركّبة ومعقّدة، تعاني الضحية آثارها النفسية بقية حياتها، ولا يمكنها أن تنجح بمفردها في معالجة هذه الآثار أو محو الوصم الاجتماعي.
الواقع يكشف انه حتى على فرض توفير إحاطة نفسية وطبية للضحية، فانه لا يمكن اقتلاعها تمامًا من واقعها، ومن محيطها الاجتماعي، ومن عائلتها وحيّها وزملائها في المدرسة أو العمل، حيث يلاحقها الوصم الاجتماعي والتجاهل والتشهير والتنمر والشتائم، بل وحتى العنف المادي.
قضية «يقين» تكشف بوضوح أن لا أحد يرحم الضحية، بل هناك محاولات لتحميلها، بكل الطرق، مسؤولية محنتها.
نحن في تونس _في تقديره_مولعون بالوصفات الجاهزة، لكن هل حاولنا فعلًا تحليل وفهم بعض الوضعيات التونسية الخاصة بضحايا الاغتصاب؟
هل أُجريت دراسات حول العاملات في المواخير؟ من أين أتين؟ وكيف وصلن إلى تلك الأوضاع؟ وما قصصهن؟ وكم واحدة منهن طردتها عائلتها وتبرأت منها؟ وكم واحدة تخلّى عنها زوجها أو خطيبها لأنها تعرضت للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي أو التحرش؟
وهل أُجريت دراسات حول الضحايا الصامتات اللواتي لم يرفعن قضايا إلى العدالة خوفًا من «الفضيحة»؟ لأن الضحية في تونس قد تتحول، في نظر البعض، إلى «فضيحة» لأهلها وحيّها وعشيرتها.
وهل سُئل عن عدد الأمهات العازبات، وما الذي أوصلهن إلى تلك الوضعيات؟
وهل أُجريت بحوث حول فتيات «الحرقة»، وحول حالات انتحار الفتيات وعلاقتها بجرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية؟ وهل أُجريت بحوث حول الفتيات العاملات في المنازل، وحول الاعتداءات الجنسية التي قد يتعرضن لها؟
وفوق كل ذلك يمكن للمرء أن يطّلع على تعليقات ومواقف أشخاص يُفترض أنهم واعون بالمسألة، وبينهم محامون وأساتذة وموظفون، فيدينون الضحية ومظهرها وملابسها وعائلتها وأمها، بينما لا نكاد نسمع منهم إدانة لعائلات الجناة، أو حديثًا عن مسؤوليتها في تربية أبنائها، أو عن الكيفية التي وصل بها هؤلاء، وهم في أغلب الحالات قُصّر، إلى هذه الدرجة من الإجرام والتوحش.
الثابت أن الواقع التونسي يحتاج إلى أدوات تحليل مبتكرة، نابعة من هذا الواقع، ومن ثقافته وخصوصياته وتعقيداته، وليست أو منفصلة عن سياقه.
وإلا، سنظل نحرث في الماء… إلى قيام الساعة…
اسماء وهاجر




