الشكندالي : انهيار منظومة الكهرباء نتيجة حتمية لغياب اصلاحات هيكلية شجاعة

تونس -أونيفار نيوز – لم يعد انقطاع التيار الكهربائي المتكررفي تونس، والتي وصلت في بعض الجهات إلى حدّ التسبب في فواجع مأساوية لمرضى فارقوا الحياة نتيجة توقف أجهزة التنفس الاصطناعي، مجرد خلل فني طارئ تفرضه ذروة القيظ الصيفي، بل هي النتيجة الحتمية والمباشرة لسنوات من الحوكمة الاقتصادية الفاشلة وغياب الإصلاحات الهيكلية الشجاعة، وفق ما أكده أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، الدكتور رضا الشكندالي.
وفي قراءة نقدية معمقة فككت خيوط هذه الأزمة، يرى الشكندالي أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز “ستاغ” ليست وحدها في قفص الاتهام، بل إنها ضحية لمنظومة متكاملة تتقاسم معها المسؤولية.
ويشير في هذا السياق إلى القرض الأخير الذي حصلت عليه الشركة بقيمة 420 مليون دينار بضمان الدولة، موضحاً أنه ليس الأول من نوعه، لكنه لا يوجه لبناء محطات توليد جديدة أو تحديث شبكات التوزيع المتهالكة لمنع الانقطاعات، بل يُستخدم كمسكن مؤقت لإنقاذ السيولة اليومية وسداد الديون المتراكمة، فضلاً عن دفع ثمن الغاز المستورد من الجزائر بالعملة الصعبة لكي لا تغرق البلاد في عتمة تامة. هذا السلوك يمثّل، في العرف الاقتصادي، حلقة مفرغة من الاستدانة للاستهلاك، وهي بداية الإفلاس الهيكلي لأي مؤسسة عمومية تعجز عن الاستثمار في مستقبلها وتكتفي بالعيش يوماً بيوم.
وتعمق في تشريح نزيف السيولة الحاد الذي يعصف بالشركة، حيث تجاوزت ديونها غير المستخلصة حاجز الـ 6 مليارات دينار، متسائلاً عن هوية الجهات المتملصة من الدفع؛ ليكشف أن الوزارات، والبلديات، والمستشفيات العمومية، والمؤسسات التابعة للدولة تستهلك الكهرباء وتتأخر لسنوات في سداد فواتيرها، في حين تتصرف الدولة كخصم وحكم في آن واحد، إذ تمنع الشركة من قطع التيار عن الإدارات المتلكئة وتحرمها من سيولتها، ثم تلومها على العجز المالي.
وينضاف إلى هذا العبء تفاقم ظاهرة سرقة الكهرباء عبر الربط العشوائي في أحياء ومزارع ومصانع بأكملها دون رقيب قانوني حازم، ليجد المواطن الملتزم نفسه مجبراً على دفع كلفة الطاقة المنهوبة من خلال فاتورته المتضخمة.
ولم تقف الأزمة عند العوامل الخارجية، بل امتدت لتطال الهيكل الداخلي للمؤسسة الذي أُغرق بالانتدابات العشوائية غير المدروسة، مما خلق بطالة مقنعة وتضخماً مهولاً في كتلة الأجور أصبحت تلتهم النصيب الأكبر من المداخيل على حساب ميزانيات الصيانة والتطوير الفني للشبكة. كما ينتقد الشكندالي بشدة استمرار العمل بنظام مجانية واستهلاك الكهرباء اللامحدود لعشرات الآلاف من موظفي ومتقاعدي الشركة وعائلاتهم، معتبراً ذلك ضرباً من العبث بموارد الطاقة في وقت تطالب فيه الدولة عموم المواطنين بالتقشف وترشيد الاستهلاك.
وتتضاعف هذه المعضلة مع تبعية تونس شبه المطلقة للغاز الطبيعي المستورد لتوليد أكثر من 95% من الكهرباء، ومع تدهور قيمة الدينار التونسي، تضاعفت كلفة إنتاج الكيلوواط الواحد لشرائه بالأسعار العالمية النارية وبيعه للمواطن بأسعار مدعومة، مما فاقم العجز المالي وحال دون تجديد الشبكات المتهالكة التي لم تعد قادرة فنياً على تحمل ذروة الاستهلاك الصيفي، مما يضطر المهندسين للقطع القسري لحمايتها من الانهيار الشامل.
وفي اعتقاده فان الاستمرار في سياسة الترقيع لم يعد ممكناً، وأن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب إرادة سياسية جريئة تبدأ بتطهير مالي فوري يُلزم الدولة بدفع مستحقات الـ”ستاغ” المتخلدة بذمة وزاراتها ومؤسساتها لإنعاش سيولتها النقدية.
كما يتطلب الإنقاذ إنفاذ القانون بصرامة لوقف نزيف السرقات والربط العشوائي، بالتوازي مع مراجعة منظومة الامتيازات المجانية داخل الشركة لملاءمتها مع واقع الأزمة. ويظل الحل الأكثر استدامة وجرأة هو تحرير قطاع الطاقة الشمسية، وكسر القيود البيروقراطية وتغول بعض الأطراف التي تقف حجر عثرة أمام مشاريع الطاقات المتجددة، لفتح الباب فوراً لإنتاج الكهرباء من الشمس التي تنعم بها تونس طوال العام، مما يضمن تخفيف العبء الثقيل عن كاهل العملة الصعبة والغاز المستورد، ويحقق الأمن الطاقي المستدام للبلاد.



