بين 2019و2023:تراجع عقود الزواج…

تونس-أونيفار نيوز –قدمت النشرة الإحصائية الأخيرة الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس صورة بانورامية لتحولات اجتماعية وديموغرافية لافتة، تعكس بوضوح أثر المتغيرات الاقتصادية والظروف الصحية العالمية على بنية الأسرة التونسية وسلوكها. فخلال الفترة الممتدة بين سنتي 2019 و2023، برزت ملامح “انكماش ديموغرافي” غير مسبوق، تمثل أساساً في تراجع الإقبال على الزواج والانخفاض الحاد في معدلات الولادات.
لقد فقدت مؤسسة الزواج جزءاً من زخمها المعتاد، حيث سجلت عقود الزواج تراجعاً بنسبة ناهزت 12.2%، وهو ما يُعزى في جزء كبير منه إلى الصدمة التي أحدثتها جائحة كورونا عام 2020، حيث تراجعت العقود في تلك السنة وحدها بنسبة 21%. ورغم الانتعاشة النسبية التي شهدها عامي 2021 و2022، إلا أن الأرقام لم تعد لمستوياتها السابقة، مما يفتح الباب للتساؤل حول دور الضغوط الاقتصادية وتغير الأولويات الاجتماعية لدى الشباب التونسي.
وفي المقابل، وبصورة مثيرة للاهتمام، ورغم أن حالات الطلاق شهدت منحى تصاعدياً في السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أنها ظلت في حصيلتها العامة لسنة 2023 أقل بنسبة 7.5% مما كانت عليه في عام 2019، مما يشير إلى نوع من التذبذب في استقرار الروابط الأسرية تحت ضغط الأزمات.
أما المؤشر الأكثر إثارة للقلق، فيتمثل في التراجع الحاد لعدد المواليد الجدد إذ انخفض عدد المواليد (ذكوراً وإناثاً) بنسبة ضخمة بلغت 31% خلال خمس سنوات فقط. هذا التراجع الحاد يعكس تحولاً جذرياً في السلوك الإنجابي للتونسيين، وهو مؤشر قد يؤدي مستقبلاً إلى شيخوخة المجتمع وتقلص الفئة الشابة النشطة.
وتأتي هذه الأرقام في وقت شهد فيه المجتمع التونسي هزة صحية عنيفة تمثلت في ارتفاع الوفيات بنسبة 40.6% في ذروة الجائحة عام 2021، قبل أن تبدأ الأرقام بالعودة إلى مستويات قريبة من الطبيعي (بزيادة طفيفة بلغت 2.5% عن سنة 2019).
وبينما تبدو أغلب المؤشرات مائلة نحو الانخفاض، تبرز بارقة أمل وحيدة في قطاع الصحة العمومية، وهي الانخفاض الواضح في وفيات المواليد بنسبة 39%.
هذا التطور الإيجابي يعكس نجاعة برامج الرعاية الصحية للأم والطفل وتحسن جودة الخدمات الطبية الموجهة لحديثي الولادة، رغم التحديات العامة التي يواجهها القطاع الصحي.
هذه الإحصائيات ترسم ملامح تونس جديدة تونس أكثر حذراً في الإقبال على تكوين الأسر، وأقل إنجاباً، لكنها في الوقت ذاته تنجح في الحفاظ على أرواح مواليدها الجدد بفعالية أكبر. إنها مؤشرات تدق ناقوس الخطر حول المستقبل الديموغرافي للبلاد، وتستوجب دراسات اجتماعية واقتصادية معمقة لفهم أبعاد هذا العزوف عن الزواج والإنجاب.



