تونس -أونيفار نيوز –فقدت الساحة الوطنية والإعلامية البشير الحميدي، أحد الكفاءات التونسية التي ارتبط اسمها بالإعلام العمومي وبفكرة الدولة المستنيرة، بعد مسيرة عُرف خلالها بالكفاءة المهنية والإخلاص في خدمة المؤسسة الإعلامية، وبتمسّكه بمبادئ المهنية والشفافية في فترات سياسية شديدة الحساسية. وقد حظي الحميدي بثقة الإشراف على مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية في محطتين مفصليتين من تاريخ البلاد؛ الأولى مباشرة إثر تحول 7 نوفمبر 1987، والثانية عقب ثورة 14 جانفي 2011، غير أن تجربتيه انتهتا في المرتين بالإقالة، ليجد نفسه يدفع ثمن خياراته المهنية وتمسكه باستقلالية العمل الإعلامي.
ففي تجربته الأولى سنة 1987، حاول البشير الحميدي الدفع نحو إعلام أكثر صدقاً ومهنية، وفتح المجال أمام الصحفيين لممارسة دورهم بعيداً عن الضغوط، كما شجّع على تناول الملفات التي تهم الرأي العام وتكشف واقع البلاد. وفي هذا السياق، دعم تحقيقاً استقصائياً جريئاً للمنتج عبد الحميد الربيعي تناول الظروف القاسية التي كان يعمل فيها أعوان الحرس الحدودي، في خطوة عكست رغبته في أن تكون المؤسسة الإعلامية فضاءً لنقل الواقع كما هو، لا مجرد واجهة للخطاب الرسمي.
لكن هذا التوجه لم يدم طويلاً، إذ لم يمض على توليه منصبه سوى نحو ثلاثة أشهر حتى تمت إقالته، كما تم إبعاد المنتج عبد الحميد الربيعي على خلفية ذلك التحقيق، لتنتهي بذلك تجربته الأولى في إدارة المؤسسة، لا بسبب عجز مهني أو إخفاق إداري، وإنما في سياق اصطدام خيار إعلامي أكثر جرأة بحسابات المرحلة السياسية.
وبعد أكثر من عقدين، عاد السيناريو ليجدّد نفسه إثر ثورة 14 جانفي 2011، عندما أُسندت إلى البشير الحميدي مجدداً مهمة إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية، في واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ الإعلام العمومي التونسي. غير أن عودته إلى المسؤولية تزامنت مع حالة احتقان داخل المؤسسة، انتهت باحتجاجات واعتصام من قبل عدد من صحفيي قسم الأخبار، على خلفية اتهامات تعلقت بعلاقته أو قربه من أصهار النظام السابق.
وتصاعدت الأزمة إلى حد تعطّل بث النشرات الإخبارية لمدة يومين، في سابقة غير معهودة في تاريخ التلفزة التونسية. ورغم محاولته احتواء الوضع من خلال الاعتذار العلني وتوضيح موقفه، فإن الأزمة لم تنتهِ، وانتهت الحكومة إلى اتخاذ قرار بإقالته بعد شهر واحد فقط من توليه مهامه.
وهكذا، يجد البشير الحميدي نفسه وقد خسر موقعه في المؤسسة الإعلامية العمومية مرتين، وفي مرحلتين تاريخيتين مختلفتين تماماً، لكن القاسم المشترك بين التجربتين كان أن الرجل دخل المؤسسة حاملاً تصوراً للإعلام يقوم على المهنية والشفافية، ثم اصطدم بتعقيدات السياسة وحسابات السلطة والمرحلة الانتقالية.
برحيل البشير الحميدي، لا تفقد تونس مجرد مسؤول سابق في مؤسسة الإذاعة والتلفزة، بل تفقد واحداً من أبناء المدرسة التي كانت ترى في الإعلام العمومي مسؤولية وطنية، وفي الصحفي شريكاً في صناعة الحقيقة، وفي المؤسسة الإعلامية فضاءً لخدمة المجتمع لا لخدمة السلطة.




