عبد اللطيف الفراتي يكتب ل “اونيفار نيوز ” : تونس لن تكون ولاية جزائرية…. ولا ليبية……

.تونس الأبدية… سيادة ضاربة في عمق التاريخ....
تونس لن تكون ولاية جزائرية ولا ليبية، فهي أرض الحضارات، ممتدة الجذور منذ آلاف السنين، بين ثلاثة وسبعة آلاف عام من التاريخ المتواصل، من قرطاج إلى العهد الحديث.
سواء سُمّيت إفريقية أو تونس، فقد ظلت هذه الأرض مستقلة في روحها، سيدة على ترابها، والأقدم في الإقليم والأكثر تجذرًا في الوعي الحضاري للمتوسط.
ظهرت مقولة “تونس ولاية جزائرية” بعد استقلال البلدين في منتصف القرن العشرين، لكنها لم تعرف الانتشار إلا مع بدايات القرن الحادي والعشرين، خصوصًا في فضاءات التواصل الاجتماعي، حين تحولت من نكتة سياسية إلى شعار يتردد أحيانًا في خضم الخلافات أو المنافسات الإقليمية. وغالبًا ما تُقال بدافع المزاح أو الانفعال، لا عن قناعة أو واقع تاريخي.إذ لم تعرف تونس تبعية سياسية للجزائر في أي مرحلة من مراحل التاريخ، لا في العهد العثماني ولا قبله.
المدوّنات التاريخية تثبت أن النفوذ التونسي هو الذي امتد غربًا، حين بلغ حنبعل القائد القرطاجي العظيم نوميديا، أي جزءًا من الجزائر الحالية، قبل أن يعبر جبال الألب بفيلته الشهيرة نحو روما، مدهشًا أوروبا بأسلوبه العسكري الفريد. وحتى في التاريخ الحديث، استعاد الباي حمودة باشا – أحد أعظم ملوك البلاد – مناطق واسعة كانت تمتد إلى داخل الجزائر اليوم، من عنابة إلى قسنطينة، مرورًا بديار الرستميين في غرداية، التي كانت امتدادًا طبيعيًا للجريد ونفزاوة، وكلها مناطق تشترك مع جربة وعمان وزنجبار وجزر القمر في المذهب الإباضي ذاته.
وفي زمن الاستقلال، طُرحت فكرة الوحدة بين تونس والجزائر، عندما جاء هواري بومدين إلى الكاف مقترحًا اتحادًا بين البلدين. غير أن الرئيس الحبيب بورقيبة أجابه بحكمة وصرامة قائلاً: “لن تكون الوحدة ممكنة إلا إذا عاد الشق الجزائري الذي اقتطعته منا فرنسا إلى تونس لقيام وحدة متكافئة.”
ففُهم الرد على أنه رفض مبطن، زاده وضوحًا قول الوزير الأول الهادي نويرة: “لنبدأ بمشاريع مشتركة، ثم تأتي الوحدة بصورة طبيعية.”
تلك المواقف، إلى جانب فشل تجربة الوحدة مع ليبيا عام 1974، ساهمت في تصاعد التوترات، وصولًا إلى محاولة زعزعة النظام التونسي خلال عملية قفصة سنة 1980، التي نُفذت بدعم ليبي وتنسيق جزائري.
قاد العملية كولونيل جزائري يدعى سليمان هوفمان، وتم تسريب الكومندوس من الجنوب المسلح من الطرفين، لكن تونس واجهت المؤامرة بشجاعة نادرة، بدعم من المغرب ومصر وعدة دول عربية وغربية، لتنتصر للسيادة والكرامة الوطنية.
منذ استقلالها سنة 1956، اختارت تونس استراتيجية دفاعية تقوم على التوازن والاعتدال، وعلى نسج شبكة من العلاقات الأخوية التي تضمن استقرارها واستمرار سيادتها. ورغم ما شاب بعض الاتفاقيات من عدم تكافؤ، مثل المعاهدة الموقعة بين الحبيب بورقيبة الابن وعبد العزيز بوتفليقة، بقيت العين التونسية مفتوحة تجاه أي تهديد، كما أثبتت في مواجهة أحداث بنقردان قبل سنوات قليلة.
تونس اليوم، كما كانت دائمًا، تدرك أن عمقها الحقيقي لا يقتصر على حدودها الجغرافية، بل يمتد إلى المغرب الأقصى ومصر، فهما ركيزتا توازنها الاستراتيجي وضمان استقرارها. أما الأصوات التي تردد “تونس ولاية جزائرية”، فهي لا تعبّر إلا عن جهلٍ بالتاريخ أو انفعالٍ عابرٍ، يخفي أحيانًا نوايا سياسية تتجاوز المزاح أو العاطفة القومية.
تونس، بتاريخها الممتد عبر الألفيات، ستظل دولة قائمة بذاتها، حرّة في قرارها، راسخة في جذورها، والأقدم في الإقليم، والأبقى في الذاكرة والتاريخ.




