أخبار مهمة

زلة لسان ام جهل بالوقائع ؟وزيرة الثقافة تسقط في فخ “الخطيئة التاريخية” خلال شهر التراث…!!!!

 

 تونس -أونيفار نيوز -لم يكن افتتاح الدورة الخامسة والثلاثين لشهر التراث بمدينة تستور مجرد احتفالية عابرة بالتنوع المعماري التونسي، بل تحوّل إلى لحظة كاشفة لارتباك أعمق في تمثّل التاريخ الوطني داخل الخطاب الرسمي. فقد خرج النقاش من حدود المناسبة ليحتل الفضاء العام، إثر تصريحات وزيرة الشؤون الثقافية، أمينة الصرارفي، التي وصفت فيها الحضور الإيطالي والمالطي في تونس ضمن “آثار الاستعمار”، واضعة إياه في نفس الخانة مع الوجود الفرنسي.

هذا التصنيف، على بساطته الظاهرية، يطرح إشكالًا منهجيًا دقيقًا يتجاوز مجرد زلة لسان؛ إذ يمسّ جوهر التمييز بين مفاهيم تاريخية متباينة: الاستعمار بوصفه منظومة سيطرة سياسية وعسكرية، والهجرة بوصفها حركة بشرية اجتماعية واقتصادية. فالاستعمار، في الحالة التونسية، يرتبط قانونيًا وتاريخيًا بفرض نظام الحماية الفرنسية سنة 1881، بما حمله من تفكيك للسيادة الوطنية وإعادة تشكيل قسري لمؤسسات الدولة والمجتمع. أما الوجود الإيطالي والمالطي، ورغم تعقيداته، فقد نشأ أساسًا في سياق هجرات متوسطية كثيفة خلال القرن التاسع عشر، مدفوعة بعوامل اقتصادية واجتماعية، لا بمشروع توسّع إمبراطوري مباشر داخل تونس.

لقد شكّلت الجالية الإيطالية، خصوصًا القادمة من صقلية، إحدى أبرز هذه الموجات، حتى غدت في فترة ما أكبر جالية أوروبية في البلاد. وأسهم أفرادها، إلى جانب المالطيين، في بناء أحياء عمرانية مميزة، وفي إدخال عناصر ثقافية وحرفية لا تزال آثارها حاضرة في النسيج الحضري والذاكرة اليومية: من أنماط البناء إلى المطبخ، ومن الحِرف إلى الموسيقى. ولم يكن هذا الحضور، في مجمله، تعبيرًا عن سيطرة سياسية، بل عن اندماج تدريجي داخل فضاء متوسطي مفتوح، رغم وجود تداخلات معقدة أحيانًا مع النفوذ القنصلي الأوروبي آنذاك.

غير أن اختزال هذه التجارب المتعددة في مفهوم “الاستعمار” يفضي إلى تسطيح التاريخ، وإلغاء الفوارق الدقيقة بين أشكال الوجود الأجنبي. فليس كل حضور أوروبي استعمارًا، كما أن تجاهل التمايز بين “المهاجر” الذي يشارك في بناء المجتمع و“المستعمر” الذي يفرض سلطته عليه، يُفقد الخطاب التاريخي دقته، ويشوّش الوعي الجماعي بمسارات تشكّل الهوية التونسية.

وقد عكس التفاعل الواسع مع هذه التصريحات على منصات التواصل الاجتماعي نوعًا من “اليقظة المعرفية”، حيث لم يقتصر النقد على تصحيح معلومة، بل امتد ليشمل مساءلة الخطاب الثقافي الرسمي ذاته.

فوزارة الثقافة، بوصفها مؤسسة معنية بحراسة الذاكرة وصياغة الرواية الوطنية، مطالبة بدقة مضاعفة في استعمال المفاهيم، لأن أي انزلاق دلالي قد يتحول إلى إعادة إنتاج سردية مشوّهة للتاريخ.

هاجر واسماء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى