حسين الرحيلي: التغييرات الإدارية ليست حلاً لأزمة الفسفاط

تونس -أونيفار نيوز –أكد الخبير في التنمية والموارد، حسين الرحيلي، أن الأزمة الحادة التي تصيب شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي تتجاوز في عمقها مسألة التعيينات الإدارية أو محاولات توحيد القيادة بين المؤسستين واعتبر أن المعضلة الحقيقية تكمن في أزمة هيكلية شاملة تضرب قطاع الفسفاط التونسي بأكمله.
وأوضح، في تصريح اعلامي ان تسمية رئيس مدير عام واحد للإشراف على المؤسستين لا يمكن أن يشكل حلاً ناجعاً بمفرده، خاصة في ظل الإبقاء على مجلسي إدارة منفصلين، وهو ما ينتج بتقديره تعقيدات وإشكاليات عملية بالغة الأثر عند اتخاذ القرارات المصيرية وتنسيق السياسات المشتركة بين قطبين يربطهما رابط عضوي لا ينفصم.
وفي سياق قراءته لمسار القطاع، استعرض الخبير التونسي الخلفية التاريخية لجهود التجميع وذكر بأن بوادر توحيد شركات استخراج الفسفاط انطلقت منذ سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تتجسد فعلياً في عام 1994 من خلال دمج إدارة شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي ضمن هيكلية موحدة ومجلس إدارة واحد وتحت قيادة رئيس مدير عام واحد، وهي التجربة التي تعززت لاحقاً في عام 1996 بدمج الهياكل التجارية للمؤسستين.
وأشار إلى أن هذا التمشي جاء آنذاك ضمن برنامج إنقاذ وإعادة إطلاق متكامل للقطاع عقب فترة عصيبة شهدتها الأسواق العالمية، مؤكداً أن النجاح النسبي الذي تحقق في تلك الحقبة كان مدفوعاً بوجود رؤية استراتيجية واضحة، وأهداف مشتركة، وآليات موحدة وفعالة للتصرف والتخطيط المستقبلي.
وفي المقابل، شدد الرحيلي على أن الواقع الراهن يختلف جذرياً عن الماضي، حيث تواجه المؤسستان اليوم جملة من الأزمات المالية، والاجتماعية، والبيئية، والفنية المتراكمة؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه شركة فسفاط قفصة من ضائقة مالية خانقة وتراجع لافت في قدراتها التقنية والإنتاجية، يجد المجمع الكيميائي التونسي نفسه عاجزاً عن العمل بأكثر من عشرين بالمائة من طاقته الإنتاجية الفعلية نتيجة لتعطل الاستثمارات وتراكم المعضلات الهيكلية.
ونبه الخبير إلى أن محاولة تجميع مؤسستين تشتركان في نفس نقاط الضعف والوهن لن تفضي بالضرورة إلى بناء كيان أقوى، بل قد تؤدي إلى مضاعفة الأزمات وتعميقها، ما لم تسبق هذه الخطوة صياغة رؤية استراتيجية شاملة وخطة إنقاذ واضحة المعالم تمتد على مدى عشر سنوات أو خمس عشرة أو حتى عشرين سنة.
وأضاف الرحيلي أن قطاع الفسفاط لم يعد مجرد نشاط استخراجي تقليدي بمفهومه القديم، بل أضحى جزءاً حيوياً من صراع وتنافس عالمي محتدم حول المواد الأولية الاستراتيجية، الأمر الذي يفرض على الدولة التونسية إعادة تقييم تموقعها وخياراتها المستقبلية في هذا المجال بعد أزيد من مائة وثلاثين عاماً من استغلال هذه الثروة.
كما لم يغفل الخبير الإشارة إلى الأبعاد البيئية المقلقة للقطاع وأكد أنها لم تعد محصورة في ولاية قابس فحسب، بل باتت تلقي بظلالها الثقيلة على مناطق الإنتاج في الحوض المنجمي، حيث تتزايد الضغوط الرهيبة على الموارد المائية الشحيحة، وتتصاعد المخاوف الشعبية والعمالية المرتبطة بالتلوث والأمراض المهنية.
و دعا الرحيلي إلى ضرورة التعاطي مع ملف الفسفاط باعتباره قضية وطنية كبرى وأمناً اقتصادياً يتجاوز حدود المؤسسة الواحدة أو الوزارة المشرفة، مطالباً بإشراك مختلف الأطراف والفاعلين المعنيين في صياغة استراتيجية وطنية موحدة وعاجلة لإنقاذ القطاع، بما يضمن استعادة دوره التاريخي والريادي كأحد أبرز الركائز التي يستند إليها الاقتصاد التونسي.



